1 = قاعدة (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) ومعلوم بداهة أنه إذا لم يثير إلا هكذا، فالعدو الكافر وهو الضرر الأشد يدفع بالأمير المسلم الفاجر وهو الضرر الأخف. وتُصاغ هذه القاعدة أحيانا بلفظ (يُختار أهون الشرين) [1] .
2 = حديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [2] ، فإذا كانت نيتك صالحة وهي أنك تجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، فلا يضرك أن تكون نية الأمير فاسدة، فلكلٍ نيته وأجره بحسبها، كأن يكون الأمير يُقاتِل لنصرة عصبة، أو من أجل الرياسة، أو من أجل المال ونحو ذلك.
3 = قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [3] . فتُعَاوِن الأمير الفاجر في الطاعة، ولا تطيعه ولا تعاونه في معصية. وفِعْلُه المعاصي ـ كما سبق ـ ليس بمبرر لترك معاونته على الطاعة بالجهاد معه.
قلت: هذا كله في الوجه الأول وهو إذا لم يكن الجهاد إلا مع الأمير الفاجر في نفسه أما إن كان فجوره يَتَعَدَّى إلى الإضرار بالإسلام والمسلمين، فهو الوجه الثاني.
الوجه الثاني:
وهو الأمير الذي يَضرُ فجوره بالإسلام والمسلمين، كمن لا يبالي بتضييع المسلمين بلا مصلحة، أو من يمالئ العدو في الباطن ويخون قضية الجهاد، فالقول عندي في هذا ألا يُخْرَج معه للجهاد، إذا كانت مفسدة الخروج معه مثل أو أشد من مفسدة العدو، إذ إن الخروج معه مضرة محضة أو لا مصلحة فيه، كهؤلاء الذين يحشدون الناس ويثيرونهم باسم الإسلام والجهاد في سبيل الله، أما لحماية أنظمة حكمهم العلمانية وإما لمقاومة عدو أجنبي لينتهي الأمر بإقامة حكم عِلماني كافر، وأمثله هذا في زماننا المعاصر كثيرة.
قال ابن قدامة الحنبلي: [ (فصل) قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين وإنما يَغْزُو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه، ويُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» .
ثم قال ابن قدامة (فصل) ولا يستصحب الأمير معه مخذلا وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مِثْل أن يقول الحر أو البرد شديد والمشقة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا، ولا مُرْجِفًا وهو الذي يقول قد هلكت سرية المسلمين ومَالَهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة ومدد وصبر، ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا، ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار ـ إلى قوله ـ وإن كان الأمير أحد هؤلاء لم يستحب الخروج معه لأنه إذا مُنِع خروجه تبعا فمتبوعا أولى ولأنه لا تؤمن المضرة على من صحبه [4] .
(1) - انظر مجموع الفتاوى ج 28 ص 212
(2) - متفق عليه
(3) - سورة المائدة، الآية:2
(4) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 371 ـ 372