البلد. فقد قال ابن قدامة: [إذا نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فحكمه حكم أهل العدل ينفذ من أحكام أهل العدل ويرد منه ما يرد ... ] [1] . وقال ابن قدامة أيضا: [وإن استولوا ـ أي البغاة ـ على بلد فأقاموا فيها الحدود، وأخذوا الزكاة والجزية والخراج واحتُسِب به، لأن عليا لم يتتبع ما فعله أهل البصرة وأخذوه، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى ساعي نجدة الحروري .. ] [2] . وهذا ما قرره الجويني أيضا [3] .
فهذه أدلة جواز تحاكم الناس برضاهم إلى رجل مؤهل للحكم، بخلاف قاضي الإمام في دار الإسلام، حيث للمسلمين إمام يحكمهم وشريعة إسلامية تعلوهم، وقد نقل أبو بكر بن المنذر الإجماع على جواز ذلك، خلافا لما زعمه مؤلف كتاب (البيعة) من الإجماع على بطلانه.
تنبيه: الفرق بين الحَكَم والقاضي من عدة أوجه:
1 = الحَكَم لا يفتقر إلى ولاية من إمام مؤقت، بخلاف القاضي الذي لا يتولى إلا بولاية من الإمام.
2 = الحَكَم لا يحكم بين اثنين من الناس إلا برضاهما وتحاكمهما إليه مختارين، بخلاف قاضي الإمام الذي يحكم بين الخصوم رضوا أم لم يرضوا، وله أن يجبرهم على الحضور إلى مجلس القضاء وإن لم يختاروا، طالما بلغته الدعوة.
3 = الحَكَم ليس له عموم النظر في الخصومات ولا استدامته، إذ إن عموم النظر واستدامته معناه أنه ذو ولاية، فهذا للقاضي المتولي من جهة الإمام.
ويتفق الحَكَم والقاضي في وجوب استيفائهما لشروط القضاء، وفي أن حكمهما مُلزِم للخصوم. إلا أن القاضي يملك سلطة تنفيذ حكمه بالشرطة، والحَكَم قد لا يملك القوة إن لزمت هذا فيما يتعلق بالحال الأول من هذه المسألة.
أما الحال الثاني: وهو إذا لم يكن للمسلمين إمام يحكمهم ولا قضاء شرعي يتحاكمون إليه، وهذا هو حال أغلب المسلمين اليوم، فلا أقول يجوز لهم، بل أقول يجب عليهم أن يرجعوا إلى من يصلح للقضاء الشرعي منهم ليحكم بينهم بشرع الله فإن لم يجدوا مؤهلا للقضاء اختاروا الأمثل فالأمثل ويحرم عليهم التحاكم إلى القوانين الوضعية الكفرية.
والدليل على صحة هذا: جميع ما ذكرته في الحال الأول، خاصة كلام الشيخ ابن ضويان في كتابه (منار السبيل) وكلام ابن قدامة في المغني، وبالإضافة إلى هذا:
? قال القاضي أبو يعلى: [ولو أن أهل بلد قد خلا من قاضي أجمعوا على أن قلدوا عليها قاضيا، نظرت: فإن كان الإمام موجودا بطل التقليد، وإن كان مفقودا صح، ونفذت أحكامه عليهم. فإن تجدد بعد نظره إمام، لم يستدم النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه. وقد نص أحمد رحمه الله تعالى على أن نفسَين لو حَكَّما عليهما
(1) - (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 80
(2) - (الكافي) ج 4 ص 152
(3) - الغياثي ص 374