الخاصة، فأما النكاح والقصاص، وحد القذف، فلا يجوز التحكيم فيها لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر للحكم فيها قاضي الإمام كالحدود] [1] .
قلت: وقول ابن المنذر ـ وسيأتي ـ يشبه قول أحمد بن حنبل في أنه يجوز التحكيم في جميع الخصومات، ونقل الإجماع على ذلك. وسبق قول صاحب منار السبيل أن حُكْمْ الحَكَم ينفذ في كل ما ينفذ فيه حكم قاضي الإمام ولم يذكر الخلاف في ذلك، فدل على أن هذا هو القول الراجح عند الحنابلة.
? وقصة تحاكم عمر والأعرابي إلى شريح التي ذكرها ابن قدامة، أوردها ابن القيم في أعلام الموقعين (ج 1 ص 85) قال: [قال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيار عن الشَّعبي قال أخذ عمر فرسا من رجل على سوم، فحمل عليه فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فقال شريح: أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما، قال: فكأنه أعجبه فبعثه قاضيا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن من كتاب الله فمن السنة، فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك. أ. هـ] .
? وقال إما الحرمين الجويني: [وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في أن من حَكَّم مجتهدا في زمان قيام الإمام بأحكام أهل الإسلام، فلم ينفذ ما حكم به المحكم؟ فأد قوليه، وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه ينفذ من حكمه ما ينفذ من حكم القاضي الذي يتولى منصبه من تولية الإمام. وهذا قول متجه في القياس، لست أرى الإطالة بذكر توجهه[2] .
? وما ادَّعاه الأستاذ المؤلف من بطلان التحاكم لغير القاضي بإجماع الأمة، هو مردود عليه، بل قد ذكر الإمام أبو بكر بن المنذر في كتابه (الإجماع) عكس ما قاله الأستاذ المؤلف، فقال: [إجماع 254 ـ وأجمعوا على أن ما قضي قاضي غير قاض، جائز إذا كان مما يجوز] [3] ، ومعنى قوله (قاضي غير قاض) أي قاضي غير معين من جهة الإمام، وقوله: (إذا كان مما يجوز) أي إذا كان ما حكم به هذا القاضي مما يجوز في الشريعة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما. سواء كان خليفة، أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع أو نائبا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر] [4] .
? ومن الأدلة على جواز التحكيم وسريان أحكام غير الإمام وقضاته، أن البغاة إذا استولوا على بلد وحكموه بالشرع وجبوا منه الأموال على مقتضى الشرع فإن أحكامهم هذه نافذة ولا ينقضها الإمام العدل إذا ظهر على هذا
(1) - (الكافي) لابن قدامة ط المكتب الإسلامي ج 4 ص 436
(2) - الغياثي ط2 تحقيق د/عبد العظيم الديب1401هـ ص 389
(3) - (كتاب الإجماع) ط دارطيبة 1402 هـ ص 85
(4) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 254