عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان (أحدهما) لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما، لأن حكمه غنما بالرضى به ولا يكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه.
ولنا ما روى أبو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له «إن الله هو الحَكَم فلِم تُكَنَّى أبا الحكم؟» قال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكَمْتُ بينهم ورَضِيَ عَلَيَّ الفريقان، قال «ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك؟» قال شريح قال «فأنت أبو شريح» [1] .
ورُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من حكم بين اثنين تَرَاضيَا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون» ولولا أنه حكمه يلزمهما لما لَحِقَه هذا الذم. ولأن عمر وأُبَيًّا تحاكما إلى شريح قبل أن يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكونوا قضاة.
فإن قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا. قلنا لم ينقل عنهما الرضى إلا بتحكيمه خاصة وبهذا لا يصير قاضيا، وما ذكره بما إذا رضي بتصرف وكيله فإنه يلزمه قبل المعرفة به، إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض فيه حكم من له ولاية. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: للحاكم نقضه إذا خالف رأيه لأن هذا عقد في حق الحاكم فمَلَك فسخه كالعقد الموقوف في حقه. ولنا أن هذا حكم صحيح لازِمٌ فلم يجز فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية، وما ذكروه غير صحيح فإن حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا؟ ولو كان كذلك لملك فسخه وإن لم يحالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود.
إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخَصْمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم لأنه لا يثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو تراجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان (أحدهما) له ذلك لأن الحكم لم يتم أشبه قبل الشروع (والثاني) ليس له ذلك لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحَكَم ما لا يوافقه رجع فبطل المقصود به.
(فصل) قال القاضي: وينفذ حُكْمُ من حَكَّماه في جميع الأحكام إلا أربعة أشياء: النكاح واللعان والقذف والقصاص لأن هذه الأحكام مَزِيَّة على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه، وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا كتب هذا القاضي بما حَكَمَ به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه، لأنه حاكم نافذ الأحكام، فلزم قبول كتابه كحاكم الإمام]. انتهى كلام ابن قدامة في المغني.
? وقال ابن قدامة في: الكافي [واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم. فقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أن تحكيمه يجوز في كل ما تحاكم فيه الخصمان، قياسا على قاضي الإمام. وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال
(1) - أخرجه النسائي