صحيحة [1] ، وأن يكون صادقا في تنفيذها، وإذا اختُلِفَ في الأقدمية يُصَار إلى التحكيم. وهذا في سد لذريعة التحزب والتعدد الذي يذهب بشوكة المسلمين، ومحال أن تخلو الشريعة من حكم لمثل هذه المُلِمَّة، وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [2] ، وهذه صيغة عموم تشمل كل ما يُتَنَازَع فيه.
هذا ما أراه في مسألة تعدد الجماعات في البلد الواحد خاصة، أما إذا تعدد البلدان فقد يكون هناك متسع لتعدد الجماعات العامة بقدر هذه البلدان، فقد قال النووي في صفة الطائفة المنصورة: [ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض] [3] ، فإذا تعددت الجماعات بتعدد البلدان ثم غلبت إحداها على بلد وصار منها إمام المسلمين، فيجب على كافة الجماعات الأخرى الدخول في طاعته والهجرة إليه لنصرته وشد أزره، قال أحمد بن حنبل: [ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما[4] . وهذا الذي قاله الإمام أحمد نقل ابن بطال الإجماع عليه [5] .
قلت: فلا يصح تعدد الجماعات في ببلد واحد، ويحتمل التعدد بتعدد البلدان وإن كان الاتحاد هو الأولى، وإن حالت الأحوال دونه فليس أقل من أن تتعاون الجماعات في البلدان المتعددة في مجالات الخبرة وإعداد العدة، كذلك إذا كانت جماعة قد تحققت العجز عن التغيير ببلدها فعليها الهجرة [6] ، وتهاجر لتساعد إخوانها بالبلد الذي يغلب على الظن نجاح التغيير الإسلامي فيه، إلا أن يأمرَ أميرُ هذه الطائفةِ القويةِ الطائفةَ العاجزةَ بالبقاء في بلدها لغرض شرعي صحيح من دعوة ونحوها، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر بذلك [7] . وإذا غلبت جماعة على بلد من البلدان ونصبت إماما للمسلمين، وجب على الكل الهجرة إليه ونصرته وطاعته، هذا ما أراه والله أعلم بالصواب.
وغني عن الذكر أن القديم الذي يضم إليه شرطه أن يكون على الحق، مستمسكا بالشريعة عاملا بها مجاهدا من أجل ظهورها على الدين كله، ولا يدخل في هذا: الجماعات المتلاعبة بشرع الله كالتي تسعى إلى حكم الإسلام عن طريق الديمقراطية الشركية والبرلمانات العِلمانية وأشباه ذلك مما سقط فيه الكثيرون باسم الدعوة إلى الإسلام فَضَلّوا وأضَلّوا كثيرا من الناس واتبعوا خطوات الشيطان وهو {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} [8] ، فأهدروا طاقات آلاف الشباب بجعلهم مستكينين مسالمين للحكام الطواغيت خلافا لما يقتضيه الشرع من وجوب قتالهم، فأي ضلال بعد هذا؟
وهذا فيما يتعلق بالرد على اعتراض مؤلف كتاب (البيعة بين السنة والبدعة) على إمارة الجماعات الإسلامية. وهو الأول من اعتراضاته، وبَيَّنت في ردي عليه أن هناك نصوصًا أخرى تثبت صحة وجوب هذه الإمارة، وأن قياسها على إمارة السفر هو قياس صحيح، وقد ذكر أكثر من مجتهد [9] ، وبَيَّنت كذلك أن قيام هذه الجماعات بأمر الدين هو واجب، خاصة في غياب الإمامة والخلافة الإسلامية، واستطردت في بعض ما أظنه نافعا للمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
وفيما يلي الرد على الرابع من اعتراضاته
الاعتراض الرابع:
وهو قول الأستاذ علي بن حسن [لو اتفق أناس فيما بينهم على إقامة الحدود ـ إلى قوله ـ هو باطل بإجماع الأمة]
وأقول في الرد عليه: لو اتفق أناس فيما بينهم على إقامة الأحكام الشرعية، فلا يخلو أن يكون حالهم أحد الحالتين: الأول أن يكونوا في بلد يحكمه إمام مسلم وتجري عليه أحكام الشريعة، والثاني: أن يكونوا في بلد ليس له إمام مسلم ولا تحكمه الشريعة.
ففي الحال الأول: في دار الإسلام التي تعلو أحكام الشريعة ويحكمها إمام مسلم
ويتولى فيها القضاة المُعيَّنون من قِبَل الإمام الحُكْمَ بين الناس، أقول حتى في هذه الحالة يجوز للناس أن يتحاكموا إلى رجل مؤهل للقضاة برضاهم بخلاف قاضي الإمام وتلزمهم أحكامه، وهذا ما قرره السادة الفقهاء كما يلي:
? قال ابن ضويان في شرح الدليل: [ (فلو حَكَّمَ اثنان فأكثر بينهما ما شخصا صالحا للقضاء: نَفَذَ حُكْمُه في كل ما ينفذ فيه حكم من وَلاَّه الإمام أو نائبه) لحديث أبي شريح، وفيه أنه قال «يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فَرَضِيَ كلا الفريقين. قال ما أحسن هذا!)[10] ، (وتحاكم عمر وأُبَيٌ إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم، ولم يكن أحد منهما قاضيا) ـ قال في المتن ـ (ويَرْفَعُ الخِلافَ، فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق) ـ قال في الشرح ـ لأن من جاز حكمُه لَزِمَ كقاضي الإمام [11] . وحديث أبي شريح صححه الشيخ الألباني [12] .
? وفَصَّل ابن قدامة هذه المسألة في كتابه الكافي [13] ، وفي كتابه المغني [14] ، وإليك كلامه في المغني: [ (فصل) وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حَكَّماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما، جاز ذلك ونفذ حكمه
(1) - راجع مسألة أصول الاعتصام بالكتاب والسنة في الإعداد الإيماني
(2) - سورة النساء، الآية: 59
(3) - (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 13 ص 67
(4) - (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى ص 23
(5) - (فتح الباري) ج 13 ص 7
(6) - قاله القاضي عياض، (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 12 ص 229
(7) - رواه البخاري حديث 3861
(8) سورة النساء، الآية: 120
(9) ابن تيمية والشوكاني
(10) - رواه النسائي
(11) - منار السبيل شرد الدليل ج 2 ص 459 ط المكتب الإسلامي 1404هـ.
(12) - (إرواء الغليل ج 8حديث 2615) .
(13) - ج 4 ص 436 ط المكتب الإسلامي 1402هـ
(14) - المغني والشرح الكبير ج 11 ص 483 ـ 484