فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 403

الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل تكون لمن عُقِدت له في بلد الإمام، وقيل يُقْرَع بينهم، وهذان فاسدان، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا] [1] .

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: [ص 9: والصحيح في ذلك أن الإمامة لأسبقهما بيعة وعقدا] .

قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية: [ص 25: وإن كان العقد لكل واحد منهما على الانفراد نظرت، فإن عُلِمَ السابق منهما بَطل عقد الثاني] .

من أجل هذا ذهبت إلى المنع من تعدد هذه الجماعات لما فيه من تشتيت لشمل المسلمين وإهدار لطاقاتهم وتحزيبهم وإثارة العداوة والبغضاء بينهم، وإذا أضفنا إلى هذا مخططات أعداء الإسلام اكتملت للمسلمين جميع مقومات الفشل، وهذا هو الواقع فعلا.

ولعل القارئ الكريم يلاحظ أنني لم أقل بمنع تعدد الجماعات قياسا على منع تعدد الخلفاء، إذ إن القياس لا يصح ها هنا لأن صفة الخليفة منتفية في حق أمراء الجماعات، وهذه الصفة هي عموم النظر في مصالح المسلمين، فهذا للخليفة دون غيره، ولهذا لم أُصَرِّح بالقياس لعدم اكتمال العلة. ولكني استندت إلى هذا الحديث «فوا ببيعة الأول فالأول» من ناحية اعتبار مقاصد الشريعة، أي مقصد الشارع من هذا الحكم، وهو ما يجب مراعاته في استنباط الأحكام فيما لا نص فيه، ومقصد الشارع من منع تعدد الخلفاء هو الحفاظ على وحدة الأمة، وهذا هو ما استندنا إليه في القول بمنع تعدد الجماعات ومن وجوب انضمام اللاحق إلى السابق، لما في التعدد من مفاسد لا تخفى على أحد، ويقول الشاطبي رحمه الله: [النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مُخَالِفة أي مأذونا فيها أو منهيا عنها، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل أ هـ. وساق رحمه الله الأدلة الدالة على أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية[2] .

وما ذكرته سابقا في العمل عند تعدد الجماعات من وجوب انضمام اللاحق للسابق، والجديد للقديم أرى أن يكون أصلا يُعمل به، ولا يصح اعتبار صفة أخرى كالكثرة أو زيادة العلم فهذه صفات متغيرة، فالطائفة الكثيرة يمكن أن تقوم بعدها طائفة أكثر منها عددا، والطائفة التي تضم بعض العلماء يمكن أن تكون هناك أخرى مثلها أو تقوم بعدها، فهذه أوصاف متغيرة وقاعدة الشريعة الإتيان بما ينحصر وينضبط، ومن هنا قلنا إن العبرة بالأقدمية فهذا وصف ينحصر وينضبط، ويتفق مع فضيلة السبق والمبادرة كما في قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [3] ، على أن يكون الأقدم ذا أصول شرعية

(1) - (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 12 ص 221، 222

(2) - (الموافقات في أصول الشريعة) ط دار المعرفة ج 4 ص 194 ـ 198

(3) - سورة الحديد، الآية: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت