وفساد أعظم من هذا، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ} [1] ، فكيف تتأتى للمسلمين القوة اللازمة لدفع الكافرين وفسادهم والمسلمون متفرقون، فلا شك أن المسلمين بتفرقهم مسئولون عن قدر كبير من هذا الفساد، وقد قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [2] .
فما العمل إذا كان التعدد واقعا؟ الذي أراه ـ والله تعالى أعلم ـ أن تُضَمَّ الجماعات الحديثة إلى الجماعة الأقدم، كذلك فإن الواجب على كل مسلم أن يعمل مع أقدم جماعة من المشتغلين بالجهاد وبيعة أي جماعة أحدث هي باطلة وإن جهلت بوجود الجماعة الأقدم، ودليلي في هذا حديث أبي هريرة مرفوعا «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، ولأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» [3] ، وقد استندت فيما قلت إلى هذا الحديث، إذ إن سبب منع تعدد الأئمة هو سبب منعنا لتعدد الجماعات، وهو الحفاظ على وحدة المسلمين، وبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم هذا السبب في أكثر من حديث، منها ما رواه مسلم عن عرفجة مرفوعا «إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» ورَوَى أيضا مرفوعا «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» . وروى مسلم عن أبي سعيد مرفوعا «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» . فانظر إلى هذه الأحاديث التي أمرت بقتل الآخر ـ [إذا لم يندفع شره إلا بقتله] ـ فإنه يقتل وإن كان أفضل من الخليفة الأول، فإن ظهور الفاضل لا يُبْطل بيعة المفضول المنعقدة [4] ، وقتل الخليفة الآخر هو في ظاهره ضرر ومفسدة إذ إن قتل إنسان مستجمع لصفات الكمال مستحق لمرتبة الخلافة، ولكن ورد الأمر بارتكاب هذا لدفع ضرر هو أشد وهو تفريق كلمة المسلمين، مما يبين لك عظم قدر هذه المصلحة الشرعية ألا وهي الحفاظ على وحدة المسلمين. وهذا أحد الأمثلة التطبيقية لعدد من القواعد الفقهية منها قاعدة (يُتَحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) وقاعدة (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) وقاعدة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا ـ تُمنع ـ بارتكاب أخفهما) وقاعدة (يُختار أهون الشرين) [5] .
قال النووي في شرح حديث أبي هريرة السابق [ «وستكون خلفاء فتكْثُر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول» قال: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا الحديث إذا بويع لخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو
(1) - سورة البقرة، الآية: 251
(2) - سورة الشورى، الآية: 30
(3) - متفق عليه
(4) - الماوردي ـ الأحكام السلطانية ص 8
(5) - شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ـ طبعة 1403 هـ ـ قاعدة 25 ـ 28