وما أرى من أحد من المنتسبين إلى العلم الشرعي في زماننا هذا لم يتكلم في هذه المسألة ـ مُنْكِرًا ومُحَرِّضًا المسلمين على الجهاد ـ ما أرى مثل هذا يلقى اللهَ إلا واللهُ تعالى ساخطا عليه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [1] ، والعالم مطالب شرعا ببيان الحق في هذه الأحوال قبل أن يُسْأَلَه، لقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [2] ، فالعالم مطالب بأن يدعوا الناس {تَعَالَوْا} ليعرفهم الحق من الباطل قال القرطبي في تفسيرها: [وهكذا يجب على من بعده صلى الله عليه وسلم من العلماء أن يبلغوا الناس ويُبَيَّنوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل، قال الله تعالى {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [3] ]. قلت: ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فإن قال العالم خشيت الناس، فإن الله تعالى يقول: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [4] .
هذا فيمن سكت من العلماء، فكيف بمن دَاهَنَ، فكيف بمن رَضِيَ، فكيف بمن عَاوَنَ؟ قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [5] .
(مسألة) (ما الموقف من تعدد الجماعات العاملة للإسلام؟) .
إذا كان الواجب في هذا الزمان هو العمل الجماعي لنصرة الدين وليس الاعتزال، فما الموقف من تعدد الجماعات ومع مَنْ يعمل المسلم؟ سُئِلْت هذا السؤال غير مرة. وأُثْبِتُ هنا جوابي عنه لعموم الفائدة. قلت: أوجب الواجبات الشرعية في هذا الزمان هو الجهاد في سبيل الله تعالى نصرة لدين الله سبحانه وإنقاذا للأمة من المذلة والهوان، ولإقامة الخلافة الإسلامية تلك الفريضة التي يأثم المسلمون جميعا بغيابها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» [6] ، والمقصود بيعة الإمام لا غير [7] . وسيأتي الحديث عن الجهاد بشيء من التفصيل في مسألة (معالم أساسية في الجهاد) إن شاء الله. هذا هو الواجب الحق المُضَيَّق الوقت. وأي جماعة لا تعمل في هذا السبيل هي مُخْطِئة ومُقَصِّرَة وإن قامت ببعض واجبات الدين الأخرى [8] .
فالواجب على المسلم أن ينصر الجماعة التي تجاهد في سبيل الله، أما الجماعات الأخرى فلا بأس بمعاونتها بشرطين: أحدهما: ألا يتخذ هذه المعاونة ذريعة للقعود عن الجهاد الواجب، وثانيهما: ألا تتعارض معاونته لهذه الجماعة مع عمله الجهادي. وعلى أن يستمر في نصحه لهم بوجوب الجهاد. قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [9] .
والجماعات التي لا تشتغل بالجهاد لا بأس بتعددها [10] إلا إذا أضَرَّت ببعضها البعض أما الجماعات التي تشتغل بالجهاد فيحرم تعددها، لأن الجهاد لا يقوم إلا بالشوكة والقوة، والتعدد يذهب بالشوكة.
وفي القول بمنع تعدد الجماعات ـ بل حرمته ـ أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [11] ، وقوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [12] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [13] ، قلت فأي ضرر أشد بالمسلمين وأعم من تفرقهم، وإذا كان المسلمين مفرقين بين عشرات الجماعات فكيف تتكون لهم قوة وشوكة يواجهون بها أعداءهم، وشوكة الإسلام لا تتكون إلا بالولاء الإيماني بموالاة المسلمين بعضهم بعضا، كما قال المولى جل وعلا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [14] . وتدبر هذه الآية تجد أن الله سبحانه قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهما من أركان الإسلام الخمس، ولعل السر في هذا أن الصلاة والزكاة يمكن للمسلم أداؤها منفردا أو في جمع قليل، أما الأمر والنهي فيلزمه قوة وشوكة لا تتم إلا بموالاة المؤمنين بعضهم بعضا ولما افتتحت الآية بذكر موالاة المؤمنين ناسب أن يتقدم الأمر والنهي على الصلاة والزكاة للتنبيه على أهمية الموالاة للقيام بالإمر والنهي، وهذا يشبه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [15] ، أي إن لم يوال المؤمنون بعضهم بعضا كما يفعل الكافرون تكن فتنة وفساد كبير، وذلك لأن الكافرين مجتمعين يواجهون المؤمنين فرادى فيقتلونهم ويعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ويُعْلُون أحكام الكفر فأي فتنة
(1) - سورة البقرة، الآية: 159 ـ 160
(2) - سورة الأنعام، الآية: 151
(3) - ج 7 ص 131
(4) - سورة التوبة، الآية: 13
(5) - سورة المائدة، الآية 51
(6) - رواه مسلم عن ابن عمر
(7) - انظر ص ** بهذه الرسالة؟؟؟
(8) - انظر العقبة السادسة للشيطان: وهي شغل العبد بالأعمال المفضولة ص 13 نقلا عن مدارج السالكين 1/ 222 ـ 226
(9) - سورة المائدة، الآية: 2
(10) - انظر ص 139
(11) - سورة آل عمران، الآية:103
(12) - سورة آل عمران، الآية: 105
(13) - رواه الدارقطني عن أبي سعيد، ورواه الحاكم عنه، وزاد فيه: «من ضَار ضره الله، ومن شَاقَّ شَقَّ الله عليه» [قلت: هذا الحديث لختلف في الحكم عليه، وهو مروي عن عدد من الصحابة، ذكر الزيلعي طرقه ولم يحكم عليه (نصب االراية ج 4 ص 384 ـ 386) ، أما الذين حكموا عليه، فمنهم من قال لم يصح مسندا وغنما هو مرسل كما رواه مالك عن يحيى الماوني مرسلا، وممن قال بهذا أبو عمر بن عبد البر، ومنهم من قال هو حديث حسن لكثرة طرقه التي يقوي بعضها بعضا، قال هذا ابن الصلاح والنووي وابن رجب (جامع العلوم والحكم ص 266) ، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأنكر الألباني عليه ذلك، ثم صححه الشيخ الألباني لكثرة طرقه وأشار إلى مانقله المناوي في فيض القدير عن النووي وعن الحافظ العلائي (إرواء الغليل تخريخ أحاديث منار السبيل ج 3 ص 408 ـ 414 حديث 896) .
(14) - سورة التوبة، الآية: 71
(15) - سورة الأنفال، الأية: 73