والصواب فيه تفصيل، وهو أنه إذا كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينسب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتى من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عَمَاه وجهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها، ونظير مثل هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولى الأمثل] [1] .
فهذه هي أقوال السلف فيما إذا خلا الزمان عن الإمام الأعظم أنه يجب على أهل كل بلد وناحية أن يتحاكموا إلى أهل العلم فيهم من المجتهدين فإن عُدِموا فيحتكموا إلى الأمثل فالأمثل. وخطاب الله بإقامة الأحكام موجه إلى مجموع الأمة قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [2] ، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [3] وغيرها، وينوب الإمام عن الأمة في تنفيذ هذا، كما في الحديث الصحيح «إنما الإمام جُنَّة» وفيه أيضا «فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته» فإذا فُقِد الإمام يرجع الخطاب إلى مجموع الأمة فيقدم الناس من يتحاكمون إليه ممن يصلح لهذا. وقال أحمد بن حنبل: [لابد للناس من حاكم، أفتذهب حقوق الناس؟] [4] . وذلك لأن نُصْبَة القضاة من فروض الكفاية لحفظ العدل وإن لم يقم به البعض أثم الكل، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [5] ، وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [6] ، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا المعنى أوضح إشارة، وهو أن الأحكام والحدود مخاطب بها جميع الأمة، ويقيمها السلطان ذو القدرة، فإن عُدِم السلطان وأمكن إقامتها ـ إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها ـ فهذا هو الواجب، فقال رحمه الله: [خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا، كقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} وقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} وقوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ} [7] وكذلك قوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [8] ، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد عُلِمَ أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد. فقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ} ، وقوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وقوله: إِلَّا
(1) - (إعلام الموقعين) ج 4 ص 196 ـ 197
(2) - سورة المائدة، الآية: 38
(3) - سورة النور، الآية: 2
(4) - ذكره أبو يعلى في الأحكام السلطانية ص 24،71
(5) - سورة النساء، الآية: 135
(6) - سورة الحديد، الآية: 25
(7) - سورة النور، الآية:4
(8) - سورة النور، الآية:4