تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين. و"القدرة"هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة. لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء إن أهل البغي يَنْفُذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامَهم بذلك لم يسقط عنهم القيامُ بذلك، بل عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق، أو إضاعته لذلك: لكان ذلك الفرض على القادر عليه.
وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه. وإذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم. إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضَيِّعا لأموال اليتامى، أو عاجزا عنها: لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه. والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من"باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع بأفسد منه. والله أعلم] [1] .
فهذه هي الأدلة الشرعية وأقوال علماء الأمة تثبت صحة تحاكم الناس إلى غير قاضي الإمام ممن يصلح للقضاء زمن قيام الإمام، ونقل ابن المنذر الإجماع على صحة هذا، وها هي أقوالهم تثبت صحة ـ بل وجوب ـ اتفاق الناس على إقامة الأحكام بينهم ـ ما أمكنهم ذلك ـ زمن غياب الإمام، على أن يُحَكِّموا بينهم من يصلح للقضاء الشرعي الأمثل فالأمثل. وفي هذا رد كاف شاف، وإبطال لما ذكره مؤلف كتاب (البيعة بين السنة والبدعة) .
والواجب على الأستاذ المؤلف وسائر المهتمين بالدعوة الإسلامية دعوة المسلمين إلى هذا لا صدهم عنه، فتحاكم المسلمين إلى عالم منهم واجب عليهم ما أمكنهم ذلك وخير لهم في الدنيا والآخرة من التحاكم إلى الطواغيت وأحكامهم الكافرة التي يستطل بها معظم المسلمين الآن فيأكلون أموالهم بينهم بالباطل، وتستباح بها الدماء والفروج.
ولا يحل لأحد دعى إلى التحاكم إلى الشرع أن يُعرض عنه، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [2] ، وقال تعالى: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ
(1) - (مجموع الفتاوى) ج 34 ص 175، 176
(2) - سورة النساء، الآية: 61