فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 403

اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [1] .

فتحاكم المسلمين إلى الشريعة بعيدا عن المحاكم الكافرة واجب عليهم، ونحن ندعو الناس إليه بقوة، ما أمكن ذلك، وإن تَعَذَّر في الحدود فليكن في الأموال وهكذا، وكل هذا يدخل في تقوى الله المستطاعة للعبد، ويدخل تحت القاعدة الفقهية (الميسور لا يسقط بالمعسور) وصاغها عز الدين بن عبد السلام هكذا: [إن من كُلف بشيء من الطاعات فَقَدَر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه] [2] وهذه القاعدة مستفادة من قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [3] ، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» [4] . ومما يدخل في الاستطاعة إخراج الزكاة وإن عطلها الحكام، وأداء الديات وأروش الجراحات والكفارات وإن لم تحكم بها المحاكم الكافرة، وحُرْمَة الربا، ومما يتعلق بهذا مراعاة القيمة في القروض وفي البيع بالأجل وذلك لأن قيمة الأوراق المالية تتغير كثيرا بالزمن، فالواجب جعل أحد النقدين المعتبرين في الشريعة (الفضة والذهب) أساس هذه التعاملات، فمثلا إذا أقرضك رجل ألف ليرة اليوم وكان جرام الذهب اليوم بمائة ليرة فأنت اقترضت عشرة جرامات، فإذا كان أجل القرض سنة وكان جرام الذهب بعد سنة بمائتي ليرة ورددت إليه الألف ليرة فقد رددت إليه خمسة جرامات وظلمته ظلما فاحشا، والواجب عليك أن ترد إليه ألفي ليرة وعكسه إذا زادت قيمة الليرة ترد إليه أقل من الألف الأصلية كالحساب السابق، وهذا ليس من الربا في شيء بل هو رجوع إلى النقد المعتبر شرعا، فهذه الأوراق لا اعتبار لها شرعا إلا بتقييمها بالذهب أو الفضة، وهو ما يفعله كل مسلم عند إخراج زكاة المال وزكاة عروض التجارة، ولا يُفهم من قولي السابق إباحة برا البنوك على هذه الأوراق بحجة تعويض نقص القيمة، فهذا ربا مكتمل الأركان محدد الفائدة سلفا حرام حرام. وما سبق من اعتبار القيمة لا يسري على الودائع فهذه ترد كما هي، وقد أشار الشيخ أحمد الزرقا إلى هذه المسألة في كتابه القواعد الفقهية، في قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ونَسَبَ هذا القول إلى القاضي أبي يوسف [5] . وبهذا كنت وما زلت أنصح إخواني المسلمين. وأرى أن الله تعالى لا يمن على المسلمين بحكم إسلامي إلا إذا تحاكموا إلى الشرع بالقدر المستطاع في الظروف الحالية فإن سعوا في هذا فلعل الله تعالى أن ينجز وعده كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [6] .

(1) - سورة النور، الآيات: 48 ـ 51

(2) - (قواعد الأحكام) 2/ 6 و 19

(3) - سورة التغابن، الآية: 16

(4) - متفق عليه

(5) - شرح القواعد ص 121

(6) - سورة الرعد، الآية: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت