فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 403

فوقه عند الاحتياج، قال ابن حجر [قال ابن بطال في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه، قال، والأمر والنهي إذا توجَّه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط، فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد إلا القيام بما أُمِرَ به[1] ، فالعرفاء هم رؤساء الناس وهم الواسطة بينهم وبين الحكام، يبلغونه آراء الناس ومطالبهم، ويبلغون الناس تعليمات الحاكم.

فهذا هو الشكل المقترح عندي لمجلس الشورى الإسلامي أن يتكون من شِقَّين، شِق الخبراء، وشِق العرفاء وأحدهما لا يغني عن الآخر، فلا بد للحاكم من معرفة أحوال الناس وما ينفعهم وهذا موكول إلى العرفاء، ولابد له من تقييم الأعمال المختلفة بميزان الشريعة والعلوم الدنيوية وهذا موكول إلى الخبراء. والله أعلم بالحق. وهذان الفريقان (الخبراء والعرفاء) في مجموعهما يشكلان أهل الحل والعقد في الأمة وأكابر علمائها.

تنبيه آخر: ذكرت آنفا عبارة (علوم الدين وعلوم الدنيا) ، وكثيرون لا يحبون هذا التقسيم ويقولون كل ما خدم الإسلام والمسلمين من علم فهو من الدين.

ولا شك أن الإنسان يُثاب بالنية الحسنة على فعله المباحات فكيف بما هو من فروض الكفاية وقد يرتقي إلى فرض ا لعين من علوم الدنيا اللازمة للمسلمين؟ ولكن هذا لا يمنع من تقسيم العلوم إلى دينية ودنيوية فهذا التقسيم ورد بالنص عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم عن أنس في قصة تلقيح (تأبير) النخل، أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ مَا لِنَخْلِكُمْ قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ. وفي رواية أخرى عند مسلم عن رافع بن خديج، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَايٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» قلت: ففرق صلى الله عليه وسلم بين علوم الدين وعلوم الدنيا.

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» [2] . ففرق بين الفقه في الدين والعلم بأمور الدنيا. قلت ولا يخفى أن ما نسميه بعلوم الدنيا يشترك فيه المؤمن والكافر، بخلاف الفقه في الدين.

وليس معنى هذا أن من كان عالما بالدنيا فلا شأن له بالدين أو العكس، بل قد يكون عالما بهما، وفي فضل الله متسع، كما لا يخفى أن العالم المتخصص في علوم الدنيا لابد من أن يستوفي شروط العدالة الشرعية حتى يكون أهلا للشورى في مجال تخصصه، والله تعالى أعلم. على أن فريقا من الناس أدخل في علوم الدنيا ما ليس منها، بل ما هو من صميم الدين وهؤلاء هم العِلمانيون والملاحدة الذين يتسربلون برداء الإسلام، يقولون الربا من ضرورات النظم الاقتصادية الحديثة، فإذا أنكرت عليهم، قالوا لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» ، وهكذا بالنسبة للاشتراكية والديمقراطية ونظم التعليم والإعلام العلمانية يستحلون المحرمات تحت غطاء «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» ، ويُلَبِّسون بذلك على العامة والجهلة. وحكاية مثل هذا الكلام يغني عن الرد عليه. فقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [3] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} [4] ، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [5] .

مسألة أخيرة: أثر الأغلبية في الشورى.

أي هل هناك اعتبار لرأي الأغلبية في الشورى، وما هو موقع هذا الاعتبار؟

الجواب عن هذا السؤال يتناول: ما هي الأغلبية المعتبرة شرعا؟ وما هي شروط اعتبارها؟ وما هو أثرها؟

أول: ما هي الأغلبية المعتبرة شرعا؟

الأغلبية هي أغلبية أهل العلم الذين هم أهل الشورى، لا أغلبية العامة. لأن الله تعالى أمر برد المشكلات إلى أهل العلم، فقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [6] ، مع قوله تعالى في شأن عموم الناس {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} [7] .

وقد ورد هذا التفريق واضحا في حديث ابن عباس الذي ذكرته آنفا بشأن ما دار بين عبد الرحمن بن عوف وعمر، حيث نصح عبد الرحمن عمرَ بألا يتكلم أمام عامة الناس في موسم الحج، بل ينتظر حتى يرجع إلى المدينة ويكلم الصحابة، قال عبد الرحمن لعمر (لا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ فَأَخَافُ أَنْ لا يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ دَارَ الْهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ) [8] .

ولذلك فلا أرى للإستفتاء الشعبي موضعا في دار السلام، وفي النظم الجاهلية يعتبر هذا الاستفتاء أقوى دستوريا من قرارات النواب بالبرلمان، إذ إن الاستفتاء هو أنموذج للديمقراطية المباشرة، أما البرلمان فأنموذج للديمقراطية الغير مباشرة، والأولى أقوى من الثانية عندهم.

ولا يُعترَض على إنكاري للإستفتاء الشعبي بحديث سبي هوزان الذي ذكرته في مسألة العرفاء على الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب رأي الجند فيما هو خالص لهم وهو السبي الذي كانوا قد غنموه في غزوة حنين، فلما أسلم أهل هوزان

(1) - (فتح الباري) ج 13 ص 169

(2) - متفق عليه عن معاوية

(3) - سورة الحجرات، الآية: 1

(4) - سورة الأحزاب، الآية: 36

(5) - سورة آل عمران، الآية: 32

(6) - سورة النساء، الآية: 83

(7) - سورة الأنعام، الآية 116

(8) - حديث 6830 ـ 7323

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت