فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 403

ووفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم سألوه أن يَمُنَّ عليهم بنسائهم وأموالهم، فخيرهم صلى الله عليه وسلم بين السبي وبين الأموال فاختاروا رد السبي، فَرَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم نصيبه وتبعه الناس على ذلك إلا من أبى منهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم برَدِّ السبي وعوضهم عنه. وهذا واضح فيما رواه البخاري عن مروان والمسور بن مخرمة، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد هوزان: «اخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ ـ إلى قوله ـ فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاءِ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ» [1] .

ثانيا: ما هي شروط اعتبار رأي أغلبية أهل الشورى؟

سبق أن ذكرت كلام شارح العقيدة الطحاوية في طاعة الأمير في مواضع الاجتهاد، حيث قال: [وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية] [2] . وقد ذكرت من قبل أيضا أدلة هذا الكلام من الكتاب والسنة.

فالحاصل أن رأي الأغلبية يعتبر بشرطين:

1 = في مواضع الاجتهاد حيث لا نص شرعي واضحا يحسم الخلاف.

2 = إذا لم يبت الأمير في موضع الاجتهاد برأيه، وفَوَّض الأمر إلى أهل الشورى.

ثالثا: ما هو أثر رأي الأغلبية؟

رأي الأغلبية يفيد الترجيح، وهذا ما ذكره ابن حجر في شرح حديث استشارة عمر لمن معه عندما قدم الشام فوجد الطاعون قد وقع بها، وقد سبق الحديث بتمامه.

قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث [وفيه الترجيح بالأكثر عددا والأكثر تجربة لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والأنصار، وَوَازَنَ ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة ووافق اجتهادُه النصَّ، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك] [3] .

قلت: ففائدة الأغلبية هي الترجيح عندما لا يستطيع الأمير أن يَبُثَّ في الأمر برأيه، ولا أن نقول إنها ملزمة له، لما فصلناه من قبل. ويدل على هذا أيضا أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يلتفت إلى المشورة عندما عزم على قتال مانعي الزكاة لما

(1) - الحديث 4318 ـ 4319 وأورده ابن إسحق مفصلا (سيرة ابن هشام ـ ط صبيح 1391هـ ج 4 ص 925 ـ 928)

(2) - (شرح العقيدة الطحاوية) ط المكتب الإسلامي 1403هـ ص 424

(3) - (فتح الباري) ج 10 ص 190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت