انتقل إلى غير أستاذه وحالفه كان قد فَعَل حراما، فيكون مثل لحم الخنزير الميت! فإنه لا بعهد الله ورسوله أوفى ولا بعهد الأول، بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا عهد له، ولا دين له ولا وفاء. وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة فإذا وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية ـ وهو شبيه بحال هؤلاء ـ فأنزل الله تعالى: {وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} (الآية) ـ إلى أن قال ـ ومن حالف شخصا على أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وإن كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل، لم تنصر الباطل فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى، الذين يريدون أن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا] [1] .
2 = قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [2] ، قال القرطبي في تفسيرها: [قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم على بعض وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون عند شروطهم» وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله، فإن ظهر فيها ما يخالف رُدَّ، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» أ هـ.
3 = وقد وردت آيات كثيرة في الأمر بالوفاء بالعهود وبيان أن هذه هي صفة المؤمنين قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ـ إلى قوله تعالى ـ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [3] .
وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا} [4] .
وفي مقابل هذا، وَرَدَ أن نقض العهود من صفة المنافقين وفيه وعيد شديد:
قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [5] .
(1) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 19 ـ 21
(2) - سورة المائدة، الآية: 1
(3) - سورة البقرة، الآية 177
(4) - سورة الإسراء، الآية: 24
(5) - سورة البقرة، الآية: 26 ـ 27