فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 403

العقود. والحنث في يمينه: كان مفتريا على الله الكذب. مفتيا بغير دين الإسلام، فكيف إذا كان ذلك في معاقدة ولاة الأمور التي هي أعظم العقود التي أمر الله بالوفاء بها] [1] .

هذا في بيان أن طاعة ولاة الأمور واجبة وإن لم يعاهدهم الأفراد على ذلك. فإذا أراد الأمير أن يأخذ عهدا وقسما على أتباعه، فإن البحث في هذا الموضوع فيه عدة مسائل، وهي: مشروعيته، وفائدته، وهل يجوز أن يؤقت بأجل، وهل يجوز تسمية هذا العهد بيعة، وما الفرق بينها وبين بيعة الخليفة، وما حكم نكث هذا العهد؟ وسوف أتبع هذه المسائل بالرد على شبهة أوردها مؤلف كتاب (البيعة بين السنة والبدعة) إن شاء الله تعالى.

أولا: مشروعية هذا العهد

تعريفات:

? القَسَم وهو اليمين: قال الراغب: [أَقْسَمَ حَلَفَ، وأصله من القَسَامَة وهي أيمان تقسم على أولياء المقتول، ثم صار اسما لكل حلف، قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} ] .

? العهد: قال الراغب: [العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسُمِّي المَوْثِق الذي يلزم مراعاته عهدا، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا} أي أوفوا بحفظ الأيمان] .

? الميثاق: قال الراغب: [أوثقته شددته، وقال: الميثاق عقد مؤكد بيمين وعهد، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} ... والمَوْثِق الإسم منه، قال تعالى: {حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ} إلى قوله: {مَوْثِقَهُمْ} ] [2] .

ومن الناحية الشرعية نقول إن العهود على الطاعات بين المسلمين جائزة للأدلة التالية:

1 = قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [3] . وكانوا في الجاهلية يحالف الرجل أو القبيلة قبيلة فإذا وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وعاهد الثانية وهكذا، فأمرهم المولى جل وعلا بالوفاء بالعهود، وحذرهم من نقضها وضرب لهم مثلا بالمرأة التي كانت تغزل الغَزْل حتى إذا اشتد حَلَّته، وهو مَثَلٌ يُضرب للحمق والسَّفه.

قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الآية أثناء حديثه عن العهود بين التلاميذ ومعلميهم الذين يدربونهم على القتال، وأنه لا يجوز للتلميذ أن ينقض عهد أستاذه ويعاهد غيره، فقال: [كان المنتقل عن الأول إلى الثاني باغيا ناقضا لعهده غير موثوق بعقده، وهذا أيضا حرام وإثم، هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله، بل مثل هذا إذا

(1) - (مجموع الفتاوى) ج 35 ص 9 ـ 11

(2) - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني

(3) - سورة النحل، الآية:91 ـ 92

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت