فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 403

وإذا كان قول الصحابي يُرَدُّ إذا خالف الكتاب والسنة، فكيف بفعل أحد التابعين؟ [1] ، وقد ذكرت أن صيغة العهد التي عُرِضَت على مطرف باطلة، ويمكن أن يؤول رفضه من هذا الوجه.

ويكفينا أن مؤلف كتاب (البيعة) لم يجد دليلا يعضد رأيه من القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة وسيرتهم، فلجأ إلى فعل لأحد التابعين مُحْتَمَلٍ للتأويل، ولم يكفه هذا فلجأ إلى التصرف في كلام ابن تيمية رحمه الله بالحذف والإضافة والكتمان لينصر رأيه.

ولا ينبغي لأحد أن يفهم من كلامي السابق أنني أنكر الاستدلال بأقوال التابعين، بل أرى الاستدلال بها ما لم تخالف كتابا أو سنة أو قول صحابي أو تابعي، فكيف وقول مطرف ـ هنا ـ يخالف الأدلة التي ذكرتها في (مشروعية العهد) ؟ هذا إذا حُمل كلامه على إنكار العهود بإطلاق.

وعن الأخذ بأقوال التابعين، قال ابن القيم: [اختلف السلف في ذلك، فمنهم من يقول: يجب اتِّباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعي، وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية، وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قال تقليدا لعطاء، وهذا من كمال علمه وفقهه رحمه الله، فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء، فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسألة ] [2] .

قلت: وفي مسألة الاحتجاج بقول التابعي كلام آخر مثل العمل عند اختلاف أقوال التابعين وكذلك إذا خالف قول التابعي القياس. فيُرجع إلى كتب الأصول في هذا.

وهناك كلام آخر ذكره مؤلف كتاب (البيعة بين السنة والبدعة) يستوجب الرد عليه وبيان خطئه فيه، إلا أنني سأعرض عنه لعدم تعلقه بموضوعنا، ومن هذا قوله في ص40 إن السلف يرفضون أي أمر ما لم يكن واردا بكيفيته في الكتاب والسنة، ولا شك أن هذا افتراء على السلف، فجمهور السلف يعتبرون الإجماع والقياس بعد الكتاب والسنة، وقوله هذا (بكيفيته) لم يقل به غلاة المذهب الظاهري الذي يعده كثير من السلف بدعة [3] . ومثل قوله إن البيعة تبطل إذا لم يجتمع أهل الحل والعقد ويعقدوا الإمامة لمن يستجمع شرائطها (ص22) وهذا الكلام في تعميمه خطأ، إذ إن عقد أهل الحل والعقد هو أحد وسائل عقد الإمامة، وهناك العهد من الخليفة السابق (الاستخلاف) ، وهناك الغلبة والاستيلاء ومَنْ تَغَلَّب وتَسَمَّى بأمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَبِيتَ ولا يراه أميرا للمؤمنين كما قال أحمد بن حنبل [4] .

هذا ما يتعلق بالرد على شبهات مؤلف كتاب (البيعة بين السنة والبدعة) ، وما رددت عليها إلا لإزالة التلبيس الذي قد يُصاب به البعض بقراءة مثل هذه الكتاب، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تعاقد المسلمين وتعاهدهم

(1) - (انظر حكم أقوال الصحابة، في إعلام الموقعين لابن القيم ج 4 ص 118 وما بعدها)

(2) - (إعلام الموقعين) ج 4 ص 156

(3) - انظر الاعتصام للشاطبي ط 1402 هـ 1/ 171

(4) - الآحكام السلطانية لأبي يعلى ص 20، 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت