فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 403

التفريط هو مبدأ الإصلاح، إذا ترتب على هذا اللوم والندم العزم على عدم تكرار الخطأ والتزام السداد. فإذا حاسب المرء نفسه ولامها على كل تقصير اكتسب بعون الله وتوفيقه الفضائل تارة فتارة.

ب - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله» [1] . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين» [2] . فهذا دليل على أن الفضائل تحصل بالمجاهدة، فالصبر يصبح خلقا لازما للمرء بالتصبر وهو التحلي بالصبر والتظاهر به تارة فتارة حتى تتعوده النفس، وهكذا العفة والغنى، والعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن علم منه صدق نيته أعانه سبحانه على الطاعة.

ج - وقال البخاري (قال معاوية: لا حكيم إلا ذو تجربة) . قال ابن حجر: [وهذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه قال: معاوية (لا حِلْم إلا بالتجارب) ـ ثم قال ابن حجر ـ وأخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي سعيد مرفوعا (لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة) [3] . قال ابن الأثير: معناه لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها ـ إلى قوله ـ وكذلك من جَرَّب الأمور علم نفعها وضررها فلا يفعل شيئا إلا عن حكمة [4] ، وقد أورد البخاري مع ا الأثر الحديثَ الصحيحَ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» وقال أبو عبيد: (معناه لا ينبغي للمؤمن إذا نُكِبَ من وجه أن يعود إليه) . وعلاقة هذه الأحاديث بموضوعنا أن الفضائل تُكْتَسَب بالممارسة والتجربة يخطئ المرء مرة ويصيب مرات.

ومما يحصل في تحصيل الفضائل بالمجاهدة والإكتساب، ما رواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بَعَث اللهُ نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟، فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [5] . قال ابن حجر في شرحه: [قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرين برعيها على ما يُكَلَّفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سَبْع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة أَلِفُوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا

(1) - متفق عليه

(2) - ررواه الطبراني بإسناد حسن عن معاوية

(3) - وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان

(4) - (فتح الباري) ج 10 ص 529 ـ 530

(5) - حديث 2262

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت