اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كَسْرَها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحكمهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك في أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم] [1] .
قلت: ومن أساليب مجاهدة النفس أن يسارع المرء إلى محو سيئاته أولا بأول حتى يعتاد ذلك، وحتى لا تتراكم المعاصي على قلبه فيصدأ، فإذا ارتكب سيئة في حق الله وظلم نفسه سارع إلى الاستغفار وإلى الصلاة {وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [2] ، وسارع إلى فعل الحسنة وإلى الصدقة ليمحو خطيئته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واتبع السيئة الحسنة تمحها» [3] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» [4] .
أما إذا ارتكب المسلم سيئة في حق أخيه المسلم فعليه بالتوبة ورد المظلمة إلى أخيه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» [5] . ومما يهون هذا على النفس، النظر في قدر الدنيا وزوالها وحال من غَبَر، وزيارة القبور فهذا كله مما يرفق القلب.
قال ابن حجر [نقل القشيري عن شيخه أبي على الدقاق: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريق شَمَّة. وعن أبي عمرو بن بجيدة: من كَرُمَ عليه دينه هانت عليه نفسه] [6] .
قلت: ومن صَدَقَ في المجاهدة أعانه الله على نفسه وعلى فعل الطاعات، فثواب المجاهدة هو التوفيق والمدد والمعونة من الله تعالى، ودليل هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق «يعفه الله» لمن يستعفف، وقوله «يصبره الله» لمن يتصبر، وهكذا.
وقول الله - عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [7] ، فهذا وعد بالتوفيق من الله لمن جاهد نفسه في طاعة الله، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [8] .
وقول الله - عز وجل - في الحديث القدسي: «إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [9] .
(1) - (فتح الباري) 4/ 441
(2) - سورة هود، الآية: 114
(3) - رواه الترمذي وحَسَّنه عن أبي ذر
(4) - رواه الترمذي عن معاذ بن جبل وقال حديث حسن صحيح
(5) - رواه البخاري عن أبي هريرة
(6) - (فتح الباري) 11/ 338
(7) - سورة العنكبوت، الآية 69
(8) - سورة محمد، الآية: 17
(9) - وراه البخاري عن أنس