فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 403

وبهذا ترى أثر الصحبة على الإنسان سلبيا أو إيجابا. والصحبة الصالحة لازمة للإنسان من أجل دينة، ومن أدلة هذا:

قول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [1] ، فعَلَّق سبحانه النجاة من الخسران على أربع خصال: خصلتين منهم يؤديهما الإنسان منفردا وهما الإيمان والعمل الصالح، وخصلتين لا يؤديهما إلا في الجماعة وهما التواصي بالحق والتواصي بالصبر. ولا شك أن التواصي بالحق يدخل في العمل الصالح، ولكنه أفرد عنه لكونه عملا صالحا فيه تفاعل تمارسه الجماعة المسلمة فيما بينها لا الفرد منفردا، ومن باب عطف الخاص على العام من أجل التنبيه على أهميته، وهذا ينطبق على التواصي بالصبر كذلك، فالنجاة من الخسران مترتبة على خصال منها ما يؤديه الإنسان منفردا ومنها مالا يؤديه إلا في الجماعة. وهذا دليل على أهمية الجماعة في حياة الإنسان.

وقد قال الشافعي عن هذه السورة: لو تدبر الناس هذه السورة لوَسِعَتْهم [2] .

والمسلم المُقْدِم على التدريب العسكري والجهاد هو مِنْ أَوْلى الناس بالسعي في تزكية نفسه ـ خاصة إذا كان أميرا أو قدوة ـ فهو مُقْدِم على مظان القتل، فالواجب عليه تزكية نفسه قبل أن يسلمها إلى بارئها جل وعلا، قال تعالى: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [3] ، والقلب السليم هو السالم من الشرك والنفاق والمعاصي. وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى} [4] .

وإذا كان الفوز والفلاح في الآخرة مُعَلَّقَين على التزكية مع بقية شعب الإيمان، فإن النصر والغلبة في الدنيا هما أيضا معلقان على استكمال الفئة المجاهدة لشعب الإيمان، كما في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [5] ، وقال جل شأنه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [6] .

وسيأتي مزيد بيان لهذا في مسألة الإعداد الإيماني للجهاد، إن شاء الله تعالى.

(1) - سورة العصر

(2) - ابن كثير

(3) - سورة الشعراء، الآيتان: 88 ـ 89

(4) سورة النازعات، الآيتان: 40 ـ 41

(5) سورة النور، الآية: 55

(6) سورة ابراهيم، الآيتان: 13 ـ 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت