فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 403

بَعْدِهِ [1] ، ولما غاب هذا المعنى عن بعض الصحابة رضي الله عنهم في غزوة حنين وأعجبوا بكثرتهم كانت الهزيمة ليعلموا أن العدد والعدة لا تغني شيئا إلا بإذن الله. قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [2] ، فذكَّرهم سبحانه أنه نصرهم في مواطن كثيرة دون هذه الكثرة التي أعجبوا بها، وأنهم لما أعجبوا وركنوا إلى الكثرة لم تغن عنهم شيئا فهُزِموا، ثم نصرهم الله بعد الهزيمة ليبين لهم أن النصر من عنده لا بالكثرة التي لم تغن، فردهم سبحانه بالهزيمة إلى الأمر الذي غاب عن البعض، ذلك الأمر هو {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .

الأصل الثاني: أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين بالنصر على عدوهم في الدنيا، وعدًا صادقًا لا ريب فيه، وسنة قدرية لا تتخلف.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [3] ، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [4] ، {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} أي كلماته القدرية الواقعة لا محالة بقوله تعالى"كُنْ فيكون"ومن هذه الكلمات القدرية وعده بنصر المؤمنين {حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} .

وهذا الوعد بالنصر هو في الدنيا ليس يوم القيامة فقط، كما في الآيات السابقة، ولقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [5] ، ولقوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [6] .

ومقتضى هذا الوعد القدري بالنصر هو التمكين للمؤمنين في الأرض ـ والتمكين هو الاستخلاف ـ وذلك لقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [7] ، ولقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ

(1) - سورة آل عمران، الأية: 160

(2) - سورة التوبة، الآيتان: 25 ـ 26

(3) - سورة الروم، الآية: 47

(4) - سورة الأنعام، الآية: 34

(5) - سورة غافر، الآية: 51

(6) - سورة الصف، الآية: 14

(7) - سورة النور، الآية: 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت