فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 403

الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [1] ، وهذه الآية وآية النور قبلها نص في سنة الاستخلاف القدرية، وبيان لشروط استحقاقها {الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} و {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} ، وقوله تعالى ـ في أية النور ـ {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} هو زيادة توكيد وبيان لهذه السنة القدرية التي لا تتخلف، أي كما أنها تحققت للذين من قبلكم ستحقق لكم بشروطها.

الأصل الثالث: أن هذا الوعد بالنصر إنما هو لأهل الإيمان الكامل، لقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [2] . وعلى قدر إيمان العبد يكون نصيبه من النصر، فكلما ازداد إيمانه زاد حظه من الوعد القدري بالنصر، وإذا نقص إيمانه نَقَصَ حظُّه من النصر.

وهذا الأصل مبني على القول بأن الإيمان يَتَبَعَّض، وأنه يزيد وينقص، وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» [3] . وقال صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أنا نائم رأيت الناسَ يُعْرَضون عَلَيَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومنها ما دون ذلك. وعُرِضَ عَلَيَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يَجُرُّه، قالوا فما أَوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدينَ» [4] . وقال البخاري في أول كتاب الإيمان من صحيحه (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) وقال ابن حجر: [وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في"كتاب السنة"عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص] [5] .

قلت: فإذا زاد إيمان العبد زاد حظه من الوعد القدري بالنصر، وعكسه بعكسه. وفي مقام الجهاد نقول إن النصر معلق على شرطين: عام وخاص.

أما الشرط العام: فهو الإعداد الإيماني باستزادة العبد من شعب الإيمان القلبية والظاهرة، العلمية والعملية ليصبح من أهل الوعد المذكورين في قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [6] .

وأما الشرط الخاص: فهو الإعداد المادي للجهاد: بجمع السلاح وتحريض المؤمنين على القتال والبذل والنفقة، ويدخل في هذا التدريب العسكري بكل أنواعه. قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا

(1) - سورة ابراهيم، الآيتان: 13 ـ 14

(2) - سورة الروم، الآية: 47

(3) - رواه مسلم عن أبي هريرة

(4) - رواه البخاري عن أبي سعيد

(5) - (فتح الباري) 1/ 47

(6) - سورة الروم، الآية: 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت