فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 403

لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [1] الآية، فبيّن الحق جل وعلا أنه محيط بالكافرين قادر عليهم، لا يُعجزونه، إلا أنه سبحانه قد أمرنا ـ رغم قدرته ـ بإعداد القوة بشتى أشكالها، وأن نجتهد غاية الاستطاعة في هذا الإعداد كشرط لتحقيق الوعد الإلهي بنصر المؤمنين. ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء ولأمور تجري فيها على الأسباب، فالله يبتلي المؤمن بالكافر ليختبر صدقَ إيمانه، هل سيجاهد الكافر ويُعِد القوة لهذا كما أمر سبحانه أم لا؟، ويبتلي الكافر بالمؤمن، هل يستجيب الكافر لدعوة الإيمان أم سيدفعها حتى القتال؟ وفي ابتلاء الفريقين بعضهم ببعض يقول الله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [2] .

ومما يدخل في الإعداد المادي توحيد صفوف المسلمين لمواجهة أعدائهم، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [3] ، فجعل سبحانه التنازع بين المسلمين من أسباب فشلهم، بل من أظهر أسباب الفشل، وذلك بالنص كما أنه سبحانه قد جعل النصر مترتبا على موالاة المؤمنين بعضهم بعضا في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} [4] .

ولا شك أن الإعداد المادي هو أيضا من شعب الإيمان لأنه استجابة لأمر الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، ولكنا أفردناه كشرط مستقل للتنبيه على أهميته، فعلاقته بالإعداد الإيماني هي علاقة الخاص بالعام.

الأصل الرابع: أن تخلف هذا الوعد القدري بنصر الله تعالى للمؤمنين معناه تخلف شروطه، وذلك بتقصير العبد في القيام بالإعدادين الإيماني والمادي أو في أحدهما.

وتخلف هذا الوعد معناه ظهور الكافرين على المسلمين، وأن تكون الدولة للكفر وأهله، وكل هذا بسبب نقص الإيمان وبسبب المعاصي والذنوب، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [5] ، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [6] ، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [7] ، قال ابن كثير: [يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حُكْمِهِ بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه] أ هـ. وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [8] .

وهذه السنة القدرية لا تحابي أحدا من البشر ولو كان من خِيَار الخلق، ومن هذا ما أصاب الصحابة يوم أحد من الهزيمة والجراح والقتل بسبب معصية بعضهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يؤخذ منه أن معصية البعض في العمل الجماعي تضر الكل، قال تعالى فيما أصاب الصحابة في أحد {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [9] ، فتسلط العدو على المسلمين إنما هو عقوبة قدرية لهم بمعاصيهم، هذا في العدو الجنسي، وهو كذلك بالنسبة للعدو الجِنِّي، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [10] ، فبالمعاصي يجعل العبد للشيطان على نفسه سبيلا حتى يخذله أمام عدوه الإنسي كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [11] .

ويمكننا أن نصوغ هذا الأصل بعبارة أخرى وهي أن أسباب فشل المسلمين هي أساسا أسباب ذاتية داخلية، وهذا واضح فيما رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» أ هـ. فهذا الحديث يبين أن العدو الكافر(من سوى أنفسهم) لا يتسلط على المسلمين إلا إذا بلغوا من الفساد مبلغا، وهذا نص في أن سبب فشل المسلمين هو داخلي أساسا.

ومن هنا تعلم خطأ من يعزو فشل المسلمين وضعفهم إلى كيد الكافرين ومخططاتهم، كما هو شأن بعض الكتاب الذين يُهَوِّلون من شأن اليهود ومخططاتهم الشيطانية وينسبون كل شر وفساد إليهم. فالحقيقة التي يجب أن يعلمها كل مسلم هي أنه ما من مصيبة تقع بالمسلمين إلا والمسلمون هم المسؤولون عنها في المقام الأول، لقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [12] ، ولأن الله تعالى أخبرنا عن ضعف كيد الكافرين أمام المؤمنين الكُمَّل، قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} [13] ، والأذى هو الضرر اليسير وهذا واضح من

(1) - سورة الأنفال، الآيتان: 59 ـ 60

(2) - سورة محمد، للآية: 4

(3) - سورة الأنفال، الآية: 46

(4) - سورة المائدة، الآية: 51

(5) - سورة النساء، الآية: 79

(6) - سورة الشورى، الآية: 30

(7) - سورة الأنفال، الآية: 53

(8) سورة يونس، الآية: 44

(9) - سورة آل عمران، الآية 165، انظر تفسير الشنقيطي (أضواء البيان ج 3 ص 452 ـ 456)

(10) - سورة الزخرف، الآية: 36

(11) - سورة آل عمران، الآية: 155

(12) - سورة النساء، الآية: 79

(13) - سورة آل عمران، الآية: 111

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت