فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 403

استثنائه من عموم الضرر ثم العاقبة للمتقين، وقال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [1] ، وهذا نص في ضعف كيدهم وتدبيرهم، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [2] ، ففشل المسلمين هو من عند أنفسهم قبل أن يكون بسبب عدوهم، والمسلمون بمعاصيهم جعلوا لأعدائهم سبيلا قدرا.

وهذا الأصل الرابع ينبغي أن يكون معيارا على أساسه يحاسب الأفراد والتجمعات الإسلامية أنفسهم، ويراجعون حساباتهم في ضوء معرفتهم بأنه لا مصيبة إلا بذنب وتقصير، وهذه المراجعة للنفس واجبة لقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [3] ، ولقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [4] ، وانظر إلى قول أتباع الأنبياء السابقين لتعلم أن هذا أصل مقرر في جميع الشرائع فإنهم لما أُصيبوا في سبيل الله علموا أن هذا بذنوبهم فبادروا بالاستغفار والإنابة، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [5] ، وكذلك صَنَعَ أصحاب الجنَّة لما هلكت جنتهم فعلموا أنه بذنوبهم فتابوا وأنابوا، قال تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [6] .

الأصل الخامس: أنه إذا تخلف هذا الوعد بالنصر، فلا يصير العبد مستحقا له إلا إذا غير حاله ليستكمل شروط هذا الوعد، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [7] ، وهذه سنة قدرية لا تختلف، وتقضي بأنه لابد من أن يبادر العبد بإصلاح نفسه ليرفع الله عنه النقمة ويسبغ عليه النعمة، أما أن يبقى على حاله من المعصية والتفريط ويرجو زوال النقم فهذا لا يكون. وإذا كان الأصل الرابع يبين أن سبب فشل المسلمين هو سبب داخلي ذاتي أساسا، فإن الأصل الخامس يبين أن تغيير هذا الفشل لابد أن يبدأ من الذات ومن الداخل أيضا {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} .

(1) - سورة النساء، الآية: 76

(2) - سورة محمد الآية: 11

(3) - سورة الروم، الآية: 41

(4) - سورة السجدة، الآية: 21

(5) - سورة آل عمران، الآيتان: 146 ـ 147

(6) - سورة ن، الآيات: 28 ـ 32

(7) - سورة الرعد، الآية: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت