هذه هي الأصول الخمسة لتحقق سنة النصر القدرية أو تخلفها، وهي أصول ينبغي ألا تغيب عن أذهان المسلمين خاصة العاملين منهم في ميدان الدعوة والجهاد.
وقد أفاض ابن القيم رحمه الله في تقرير هذه الأصول ـ وإن لم يحددها ـ في كتابه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) حيث بين أثر الذنوب على الأفراد والأمم، وفي كتابه (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) عقد فصولا نافعة [1] في بيان شروط السنة القدرية بنصر المؤمنين ولماذا تتخلف والحكمة في ذلك؟ كذلك فقد صنف شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابَه (الحسنة والسيئة) لبيان هذه المسألة أيضا من خلال تفسيره لقوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [2] . وأدعو كل مسلم خاصة الإخوة العاملين للإسلام إلى قراءة وتدبر هذه الكتب السابقة، فإنها تقرر ما ذكرته من الأصول التي لا غنى لمسلم عن العلم والعمل بها.
قال ابن القيم رحمه الله [3] : [والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علما وعملا، لم يضمن نصرة الباطل ولو اعتقد صاحبه أن محق، وكذلك العزة والعُلُوّ إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: {وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [4] ، فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [5] ، فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا.
وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا} [6] ، فإذا ضَعُفَ الدفع عنه فهو من نقص إيمانه.
وكذلك الكفاية والحَسْب هي بقدر الإيمان، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} [7] ، أس حَسْبُك وحَسْبُ أتباعك، أي كافيك وكافيهم فكفايته لهم بحسب اتِّباعِهم لرسوله، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.
وكذلك ولاية الله تعالى لعبده بحسب إيمانه. قال تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [8] ، وقال الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [9] .
(1) - ص 188 ـ 208 / ج 2 / ط 1407 دارالكتب العلمية.
(2) - سورة النساء، الآية: 79
(3) - في (إغاثة اللهفان) ص 193 ـ 195 ج 2
(4) - سورة آل عمران، الآية: 139
(5) - سورة المنافقون، الآية: 8
(6) - سورة الحج، الآية: 38
(7) - سورة الأنفال، الآية: 64
(8) - سورة آل عمران، الآية: 68
(9) - سورة البقرة، الآية: 257