فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 403

وكذلك معيته الخاصة هي لأهل الإيمان، كما قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [1] ، فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعصيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان.

وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو أهل الإيمان الكامل، قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [2] ، وقال: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [3] .

فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر، والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمعصية في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل مُحَرم. وهو من نقص إيمانه.

وبهذا يزول الإشكال الذي يُورِده كثير من الناس على قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [4] ، ويُجِيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة.

والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتقاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه مَنْ بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهرا وباطنا، وقد قال الله تعالى للمؤمنين: {وَلا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [5] ، وقال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [6] .

فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يتر الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره. أ هـ.

وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الجواب الكافي) في حديثه عن العقوبات القدرية للذنوب، قال: [ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويَهُون عليهم ويَستَخِفّون به، كما هان عليه أمره واستخف به، فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس، وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يَهُون عليه حق الله ولا يُهَوّنه الله على الناس؟ أم كيف يَسْتَخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟.]

(1) - سورة الأنفال، الآية: 19

(2) - سورة غافر، الآية: 51

(3) - سورة الصف، الآية: 14

(4) - سورة النساء، الآية: 141

(5) - سورة آل عمران، الآية: 139

(6) - سورة محمد، الآية: 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت