فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 403

وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم، فطبع عليها بذنوبهم، وأنه نَسِيَهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضَيَّعهم كما ضيعوا أمره، ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: {وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [1] ، فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله، فلم يكن لهم من مُكْرم بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم من أهانه الله؟ أو يهيمن من أكرمه الله؟ [2] .

وقال رحمه الله في موضع آخر: [ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب. كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة) . وقد قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [3] ، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [4] .

فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نِعَمَه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيَّر غُيِّر عليه، جزاء وفاقا، وما ربك بِظَلاّم للعبيد، فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز. وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [5] ] [6] .

قلت: فهذه النقول عن ابن القيم رحمه الله تُبَيِّن الأصول الخمسة التي ذكرتها أوضح بيان. وبعد تقرير هذه الأصول الخمسة، لنا أن نتساءل أين نقف نحن ـ المسلمين ـ الآن؟.

? نحن نزيد عن ألف مليون، وبلاد المسلمين هي أغنى بلاد العالم بالثروة، وتمتد من مشارق الأرض إلى مغاربها، وتتحكم في أغلب الممرات والمضايق البحرية، فما هو الحال هؤلاء الألف مليون؟ وما هو مركزهم وتأثيرهم في هذه الدنيا؟

? وكيف يتسلط شعب لا يزيد عن المليونين، ضربت عليه الذلة والمسكنة والغضب واللعنة قَدَرًا وهو الشعب اليهودي، كيف يتسلط على مائة مليون مسلم عربي؟ وكيف يوجد لنفسه دولة من العدم في قلب بلاد المسلمين ـ ولا أقول ديار المسلمين ـ؟.

(1) - سورة الحج، الآية: 18

(2) - ص: 80 ـ 81

(3) - سورة الشورى، الآية: 30

(4) - سورة الأنفال، الآية: 53

(5) - سورة الرعد، الآية: 11

(6) - ص 85 ـ 86 (الجواب الكافي) ط 1400 ـ دار الندوة الجديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت