فهرس الكتاب
تعالى، ويقلدون الولاة والعمال والقضاة والجباة والمحتسبين [1] ، ويجبون الأموال وينفقونها على مقتضى الشرع [2] ، ولم يقل أحد لا سياسة ولا اقتصاد في أحكام الشرع، أو أن أحكام الشرع لا تفي بهذه الأمور، من قال هذا فقد انتقص الشريعة الكاملة وهذا كفر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» [3] ، فالسياسة من الدين، من أنكر ذلك فقد كفر، والسياسة [هي القيام على الشيء بما يصلحه] [4] . وقال الماوردي: [الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا] [5] ، ومثله ابن خلدون في مقدمته [6] ، قال تعالى: {وَلا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [7] .
فلا يجوز استبدال الأوضاع البشرية بالإسلام، ولا يجوز خلطه بها، كالذين يقولون اشتراكية الإسلام أو ديمقراطية الإسلام، ومنهم من ينتسب إلى العلم الشرعي، فالإسلام يعلو ولا يعلى، ولا يخلط بغيره، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [8] ، فخلط الإسلام بغيره شرك بالله العظيم، وقال تعالى في التَّمَيُّز والمفاصلة: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ـ إلى قوله ـ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} فلا يجوز الخلط، وقال الله تعالى: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [9] .
3 = الأصل الثالث (تحريم تقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) ، وهو مترتب على الأصل الثاني (اكتمال الشريعة) ، فإذا كانت الشريعة مكتملة وافية بما يحتاجه الناس في حياتهم ومعاذهم، فإنه لا يجوز لمسلم أن يقطع أمرا أو يقدم عليه قبل معرفة حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر الذي لن تخلُوَ الشريعة من حكمه. لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [10] ، قال القرطبي: [أي لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدنيا والدين] وقال أيضا: [ {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ} أصل في ترك التعرض لأقوال
(1) - (انظر الأحكام السلطانية للماوردي ولأبي يعلى)
(2) - (اننظر الخراج لأبي يوسف، والخراج ليحيى بن آدم والأموال لأبي عبيد)
(3) - متفق عليه عن أبي هريرة
(4) - (النهاية لابن الأثير ـ مادة سوس ـ ج 2 ص 421)
(5) - (الأحكام السلطانية ص 5)
(6) - (ط دار القلم 1978م ص 191، 218)
(7) - سورة الفرقان، الآية: 33
(8) - سورة يوسف، الآية: 106
(9) - سورة المائدة، الآية: 49
(10) - الحجرات، الآية: 1