فهرس الكتاب
وقال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] ، فلم تكن الهجرة بعد الفتنة هي نهاية المطاف وإنما كانت مقدمة لمرحلة تالية وهي الجهاد والصبر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» لا تنقطع الهجرة مادام العدو يُقَاتَل « [2] .
وقد أسلفت في هذه الرسالة أن الجهاد ماض حتى يقاتِل المسلمون المسيح الدجال مع عيسى بن مريم - عليه السلام -، هذا هو آخر جهاد في سبيل الله تعالى كما ثبت بالأدلة.
والهجرة كمقدمة للجهاد إما أن تكون بغرض نصرة المسلمين المجاهدين في بلد آخر، وإما أن تكون بغرض الإستعداد وجمع الأعوان ليعود المسلم للجهاد في بلده.
وفي حكم الهجرة يقول ابن قدامة: ["فصل في الهجرة"وهي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} الآيات[3] ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:» أنا بريء من مسلم بين مشركين لاتراءا ناراهما « [4] ،ومعناه لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت وأخبار سوى هذين كثيرة، وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل العلم وقال قوم قد انقطعت الهجرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» لا هجرة بعد الفتح «وقال:» قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية «وروي أن صفوان بن أمية لما أسلم قيل له لا دين لمن لم يهاجر فأتى المدينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:» ما جاء بك أبا وهب؟ قال قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر قال:» ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة أقروا على مساكنكم فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية «وروى ذلك كله سعيد. ولنا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:» لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها « [5] ،وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فال:» لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد «رواه سعيد وغيره مع إطلاق الآيات والأخبار الدالة عليها وتحقق المقتضى لها في كل زمان، أما الأحاديث الأول فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فُتِحَ وقوله لصفوان أن الهجرة قد انقطعت يعني من مكة لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار فإذا فُتِحَ لم يبق بلد الكفار فلا تبقى منه هجرة، وهكذا كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة وإنما الهجرة إليه إذا ثبت هذا فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
(1) - سورة النحل، الآية: 110
(2) - رواه أحمد عن عبد الله بن السعدي وصححه الألباني ـ إرواء الغليل 5/ 33
(3) - سورة النساء، الآية: 97
(4) - رواه أبو داود
(5) - رواه أبو داود