فهرس الكتاب
وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [1] ، وقال تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [2] ، الغرض من هذه الآيات بيان أن العداوة بين المؤمن والكافر متعلقة بوصف الكفر، هذا هو مناط الحكم لا بوصف آخر ككون الكافر أجنبيا أو وطنيا، لأن العداوة واجبة وإن كان الكافر هو ابنك أو قومك وعشيرتك، فمناط الحكم هو صفة الكفر لا غير. وما قيل في العداوة يقال في العقوبة، فعقوبة الكافر متعلقة بكفره أي بقيام صفة الكفر به لا بسبب وصف آخر، وهذا هو مناط الحكم. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بَدَّل دينه فاقتلوه» [3] ، فجعل عِلَّة القتل هي تبديل الدين أي الكفر بعد الإسلام، هذا هو مناط الحكم. إذا تبين هذا فنقول إن وصف الكفر الذي تترتب عليه العقوبة (قتل المقدور عليه وقتال الممتنع) هذا الوصف قائم بالكافر الأجنبي والوطني على السواء، وإذا تسلط هذا على المسلمين ببلد ما فلا فرق بين كونه قادما من خارج البلدة، وبين كونه من أهلها بحكمها فَكَفَر، أو كَفَر وتسلط عليها، فمناط الحكم قائم في كل هذه الأحوال، ومن كان من أهل البلدة فكفر خرج بكفره عن كونه من أهلها المسلمين وصار أجنبيا عنهم، لقوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [4] ، فخرج بكفره عن كونه من أهله وصار أجنبيا عنه.
على أن هناك أوصافا ثانوية تؤثر في العقوبة، ومن هذا التفريق بين الكافر الأصلي والمرتد، فالمرتد عقوبته أغلظ كما في الفقرة (14) ، وكذلك التفريق بين الكافر المحارب والمسالم عند الثلاثة خلافا للشافعي، وكذلك التفريق بين الأقرب والأبعد في أولوية الجهاد (الفقرة 13) .
ومن هنا ترى أن هؤلاء الحكام المرتدين قد قامت بهم جميع الأوصاف المغلظة، كالردة والمحاربة والقرب. على النقيض مما يقابلها من الأوصاف المخففة وهي ا لكفر الأصلي والمسالمة والبعد.
ومثل ما سبق: أن كل مسكر حرام، سواء كان إسمه خمرا أو كحولا أو نبيذا، وسواء كان مَحَلِّيا أو مستوردا، وسواء كان لونه أبيض أو أحمر، كل هذه ليست هي الأوصاف المؤثرة في الحكم، وإنما الوصف المؤثر وهو العِلّة ومناط الحكم هو الإسكار، طالما وجد هذا الوصف ـ دون اعتبار لبقية الأوصاف ـ وجد الحكم وما يترتب عليه. وهنا أيضا قد يوجد وصف ثانوي يؤثر في العقوبة، كمن شرب الخمر في نهار رمضان، فيقام عليه الحد ويعزر لحرمة الشهر، ولولا الوصف الأصلي (الإسكار) لما وجبت عليه عقوبة أصلا.
فالذي يقول بالتفريق بين الكافر الأجنبي والكافر الوطني في الأحكام هو كالذي يقول بالتفريق بين الخمر المستورد والخمر المحلي، فتأمل هذا.
ح = ولا يشترط لوجوب قتالهم تَمَيّز المسلمين المجاهدين في دار منفصلة عن دار الحاكم المرتد وطائفته كما يَدَّعيه البعض، ويكفيك في إبطال هذا الشرط ما نقلته عن ابن تيمية آنفا من الإجماع على وجوب قتال العدو إذا حل ببلد المسلمين، فأين الدار المستقلة هنا؟، بل إن هذا هو أحد مواضع تَعَيَّن الجهاد كما ذكرته في الفقرة (7) ولم يرد دليل شرعي بهذا الشرط وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولم يشر أحد من أهل العلم إليه، غاية ما ذكره ابن قدامة في هذا أنه إذا اقترب العدو من بلد جاز لأهله الرجوع إلى حصن يَتَحَصَّنون به. أما أمر الحاكم الكافر المرتد ففيه نص واضح جليّ، وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [5] ، ولم يشترط صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ـ ولا في غيره ـ تَمَيُّزًا ولا مفاصلة، ولا نبه أحد من أهل العلم على هذا كما نقلته عن القاضي عياض وابن حجر في شرح هذا الحديث. فإن قال الذي اشترط هذا الشرط (تَمَيُّز الدارين) إنه يجب عقلا لا شرعا، فنقول له العقل لا يوجب شيئا كما ذكرنا في أصول الإعتصام بالكتاب والسنة، وإن قال إنه أمر اجتهادي، فنقول له إذا وصلنا إلى الاجتهاد فالأمر متروك لأهل الخبرة الحربية لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [6] ، أما من الناحية الشرعية فنحن نقول إنه لا يشترط لوجوب الخروج على الحاكم إلا القدرة من عدد وعدة، وهذه أيضا يحدد القدر المطلوب منها أهل الخبرة الحربية، ومن غَرّر بنفسه وخرج للجهاد بمفرده جاز له ذلك وهو مأجور إن شاء الله تعالى، إلا إذا كان يتبع طائفة مجاهدة فلا يخرج إلا بإذن الأمير أما دليل جواز خروجه منفردا فهو قول الله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ} [7] ، وقال ابن حزم: [ويُغْزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلِّب والمحارب كما يُغْزَى مع الإمام ويغزوهم المرء وحده إن قدر أيضا] [8] .
قلت: وجهاد هؤلاء الطواغيت فرض عين فللمرء أن يفعله وحده إن أراد، خاصة إذا أمكنته الفرصة من أحد هؤلاء، ولا يجب عليه التصدي لجمع عظيم من الكافرين بل يجوز له الفرار للتفاوت العددي، فإن ثبت وكان له غرض في الشهادة جاز له ذلك وهو حسن، قال تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [9] ، أما الواجب فهو قتالهم في جماعة، إذ المطلوب إظهار الدين {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [10] ، وهذا لا يتأتى بالقتال منفردًا، ومن
(1) - سورة الممتحنة، الآية: 4
(2) - سورة النساء، الآية: 101
(3) - متفق عليه
(4) - سورة هود، الآيتان: 45 ـ 46
(5) - متفق عليه
(6) - سورة النساء، الآية: 58
(7) - سورة النساء، الآية: 84
(8) - المحلى 7/ 299
(9) - سورة البقرة، الآية: 207
(10) - سورة الأنفال، الآية: 39