فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 403

أحدها: أنه جهاد دفع متعين وهو يقدم على جهاد الطلب، أم كونه جهاد دفع فهذا لأن هؤلاء الحكام عدو كافر تسلط على بلد المسلمين. وقال ابن تيمية رحمه الله: [وأما قتال الدفع، فهو أشد أنواع دفع الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لاشيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان] [1] ، وفي الفقرة) 7(يتعين الجهاد إذا نزل العدو ببلد المسلمين].

الثاني: كونهم مرتدين، وقد سبق في الفقرة)14 (أن قتال المرتد مقدم على قتال الكافر الأصلي.

الثالث: كونهم الأقرب إلى المسلمين والأشد خطرا وفتنة، وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} [2] ، وقد سبق هذا في الفقرة (13) .

شبهة.

وهناك شبهة متعلقة بالأول من الأوجه الثلاثة السابقة، وهو قول البعض إن توصيف هؤلاء المرتدين الحاكمين لبلاد المسلمين بأنهم كالعدو الكافر إذا حل ببلد المسلمين غير صحيح لأن هذا في العدو الأجنبي عن بلد الإسلام أما هؤلاء الحكام فمن أهل البلد نفسه، فنهاك فرق؟! وهذا الكلام قيل لإبطال الاحتجاج بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في قتال التتار الممتنعين عن الشريعة مع ادعائهم الإسلام [3] ـ قيل لا يحتج بهذه الفتوى لأن التتار أجانب عن بلاد الإسلام. وهذه الفتوى أشرت إلى فوائدها في رسالتي (دعوة التوحيد) .

وفي الجواب عن هذا نقول: مسألة الحاكم المرتد فيها نص مستقل وهو حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه: «وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» ، وذكرت في رسالتي المشار إليها أن هذا الحديث مقيد لجميع الأحاديث الواردة بالصبر على أئمة الجور، كأحاديث ابن عباس «من رأى من السلطان شيئا يكرهه فليصبر» وحديث عوف بن مالك «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» ونحوها، ولهذا فقد أورد البخاري حديث عبادة عقب أحاديث ابن عباس في الباب الثاني من كتاب الفتن من صحيحه إشارة منه إلى هذا القيد. وهذا يكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد في وجوب الخروج على هؤلاء الحكام.

أما هذه الأوجه الثلاثة وغيرها فنحن نذكرها لا لبيان شرعية الخروج عليهم ـ فهذا ثابت بحديث عبادة ـ ولكن لبيان فوائد أخر كتوكيد هذا الخروج وتقديمه على غيره من أنواع الجهاد.

وفي رد هذه الشبهة نقول: لم نسمع بأن الشريعة وردت بالتفريق بين الكافر الأجنبي والكافر الوطني فيما يترتب على الكفر من أحكام، قال تعالى: {يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [4] ، وقال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا

(1) - الإختيارات الفقهية، ص 309

(2) - سورة التوبة، الآية: 123

(3) - مجموع الفتاوى 28/ 501 ـ 551

(4) - سورة هود، الآية: 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت