فهرس الكتاب
فلا تكذبيني» [1] . قال ابن حجر في شرحه: [وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وأما تسمية إياها كذبات فلا يريد أنها تُذَم، فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها. قوله: «ثنتين في ذات الله» خصما بذلك لأن قصة سارة وإن كانت أيضا في ذات الله لكن تضمنت حظا لنفسه ونفعا له بخلاف الثنتين الأخرتين فإنهما في ذات الله محضا، وقد وقع في رواية هشام بن حسان المذكورة «إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله» وفي حديث ابن عباس عند أحمد «والله إنْ جادل بهن إلا عن دين الله» ] [2] .
قلت: فهذا الكذب منه ما فيه مصلحة دينية ومنه ما فيه فرار من أذى الكافرين.
? وقصة أصحاب الأخدود، وقد ورد ما رواه مسلم عن صهيب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلامَهُ فَأَعْجَبَهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ» الحديث.
قال النووي في شرحه: [وفيه جواز الكذب في الحرب ونحوها وفي إنقاذ النفس وغيرها من الهلاك سواء نفسه أو نفس غيره ممن له حرمة] [3] ، قلت: وهذه لم تكن حالة حرب ولكن النووي ـ أظنه ـ يشير إلى أنه إذا جاز الكذب على الكافر في غير الحرب ففي الحرب أولى. والحديث السابق وحديث إبراهيم - عليه السلام - فيهما جواز الكذب للنجاة من بطش الكافرين. وقال النووي في موضع آخر: [قالوا ولا خلاف أنه لو قَصَدَ ظَالِمٌ قَتْلَ رجلٍ هو عنده مُخْتَفٍ وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو] [4] .
? ويجوز الكذب على الكافر لأجل المصلحة الدنيوية، وفيه قصة الحجاج بن عِلاَط أشار إليها ابن حجر في (باب الكذب في الحرب) قال: [ويقويه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أنس في قصة الحجاج بن عِلاط الذي أخرجه النسائي وصححه الحاكم في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه، ـ إلى أن قال ـ قصة الحجاج بن عِلاط أيضا لم تكن في حالة الحرب] [5] ، وقد أورد ابن كثير قصة الحجاج هذا مطولة في البداية والنهاية (4/ 215) .
(1) - الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة: 3358
(2) - فتح الباري 6/ 392.
(3) - صحيح مسلم بشرح النووي 18/ 130
(4) - صحيح مسلم بشرح النووي 16/ 158.
(5) - فتح الباري 6/ 159