فهرس الكتاب
يؤلف الله تعالى بين القلوب، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [1] .
بهذا وحده تتكون شوكة الإسلام كثمرة للموالاة الإيمانية.
(فقرة 18) والحرب خدعة.
اتفق الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم على أصلين من أصول الحرب، وهما السرية والخداع على تباين في الفهم، فالخداع في الحرب لا يجوز فيه الغدر ونقض العهود عند المؤمنين بخلاف الكافرين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خُدعة» [2] ،وهذا من أساليب حصر المبتدأ «الحرب» في الخبر «خدعة» أي أن أساس الحرب وأهم أركانها الخداع، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» أي أهم ما في الحج، مع أن هناك أركان أخرى للحج، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» .
قال النووي: [اتفق العلماء على جواز خِداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل] [3] .
وقال ابن حجر: [وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه. وفيه التحذير على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس عليه، قال النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز، قال ابن العربي، الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك. وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل يحتاج إليه آكد من الشجاعة ولهذا وقع الإقتصار على ما يشير إليه هذا الحديث، وهو كقوله: «الحج عرفة» قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر] [4] .
قلت: وفي الحديث وجوب أخذ الحذر في الحرب فعدوك يريد أن يخدعك كما تريد [5] ، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [6] ، وقال تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [7] ، وإذا كان هذا هو حال الدول والجيوش مع بعضها البعض فكيف بالمسلمين في ضعفهم وقلتهم؟، لاشك أنهم أحوج ما يكونون إلى استخدام الخداع والحيلة والابتكار في مواجهة أعدائهم.
والخداع له صور فنية يعرفها المختصون كالإخفاء والتمويه والحيل الحربية والتوقيت وغير ذلك، ولن نتعرض لهذه الأمور هنا، فهذه الرسالة في الأمور الشرعية لا الفنية، ولكنا هنا نتعرض لبعض الأمور الشرعية المتعلقة بالخداع، هذه الأمور هي الكذب والاغتيال ثم نتكلم عن السرية وبينها وبين الخداع عموم وخصوص.
أولا: الكذب على الأعداء:
ولم أقل الكذب في الحرب لأنه يجوز الكذب على العدو في الحرب وفي غير الحرب، كما سأدلل عليه إن شاء الله تعالى:
أ = أما في الحرب، ففيه حديث أم كلثوم بنت عقبة قال: (لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) [8] .
قال النووي: [صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب، قال الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل، هذا كلامه، والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الإقتصار على التعريض أفضل والله أعلم] [9] .
وقال ابن حجر: [قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى. وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رِفْقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا. انتهى] [10] .
ب = وأما الكذب على العدو في غير حالة الحرب فيجوز لأسباب منها ما فيه مصلحة دينية أو مصلحة دنيوية للمؤمن أو تَخَلُّص من أذى الكافرين ودليله:
? قصة إبراهيم - عليه السلام -، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم - عليه السلام - إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهن في ذات الله - عز وجل: قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} [11] ، وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [12] ، وقال: بَيْنا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي،
(1) - سورة الأنفال، الآيتان: 62 ـ 63
(2) - متفق عليه.
(3) - صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 45.
(4) - فتح الباري 6/ 158.
(5) - نيل الأوطار: 8/ 57
(6) - سورة النساء، الآية: 71
(7) - سورة النساء، الآية: 102
(8) - رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وروى الترمذي مثله عن أسماء بنت يزيد.
(9) - صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 45.
(10) - فتح الباري 6/ 159.
(11) - سورة الصافات، الآية: 89
(12) - سورة الأنبياء، الآية: 63