فهرس الكتاب
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (مسائل الجاهلية) [الثانية: أنهم متفرقون، ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة فأمرهم الله تعالى بالإجتماع ونهاهم عن التفرقة، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [1] ، الآية]أ هـ.
ومن المؤسف أن ترى في كل بلد الآن جماعات متعددة تعمل باسم الإسلام، متفرقين مختلفين، وهذه من خصال الجاهلية، وقد ذكرت علاج هذه الآفة في الباب الثالث من هذه الرسالة، وأنه يجب أن يجتمع الناس على أقدم جماعة من الجماعات المتبعة للمنهج الحق والمنهج الحق في هذا الزمان هو الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد ذكرت في الفقرة (16) إن أعظم خطر يواجه الإسلام هم الطواغيت الأحياء، وفي الفقرة (15) إن كيفية مواجهتهم مقررة بالنص والإجماع الذي لا اجتهاد معه، وقد تقرر وجوب قتالهم، مع الإعداد عند العجز.
وقد ذكرت دليلي على أن الواجب اتباع الجماعة الأقدم، هو حديث أبي هريرة مرفوعا: «فوا ببيعة الأول فالأول» [2] ، وذكرت في الباب الثالث كيفية الإستدلال به، ومثله ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [3] ، قال: [ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ولذلك قلنا: لا يجوز أن يكون في المصر جامعان ولا لمسجد واحد إمامان ولا يصلي في مسجد جماعتان. أ هـ] [4] . قلت: فكذلك يمنع قيام أكثر من جماعة في بلد واحد لما فيه من تفريق للمسلمين وتشتيت لجهدهم وإضرار بهم.
وإذا كان دأب الطواغيت هو العمل على إحداث الانقسامات والانشقاقات داخل الجماعة الواحدة خاصة إذا اشتدّ عودها وخُشِي بأسها، لتنشغل الجماعة بالصراعات الداخلية، فكيف إذا كان الانقسام موجودا من الأصل؟.
ولذلك فنحن نرى وجوب الإجتماع على الجماعة الأقدم ذات المنهج الصواب، ونرى أن من يعاون الجماعات الأحدث هو آثم لما في هذا من معاونة على الانقسام والتفرق والإضرار بالعمل الإسلامي ككل، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [5] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ، وهذا في حق من عَلِمَ بالأقدم والأحدث.
كما أننا نرى أن شَغْل المسلمين بأي أمر سوى الجهاد في سبيل الله ـ في هذا الزمان ـ كما تفعله كثير من الجماعات الإسلامية، هو خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وخيانة لهذا الدين وتضييع له، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [6] ، إن الجهاد اليوم فرض عين على المسلمين في معظم أقطار الأرض، فليجاهد المسلم في بلاده أو فليهاجر لينصر إخوانه المجاهدين في بلد آخر، ومن عجز عجزا شرعيا عن هذا وذاك فلينفق ماله في سبيل الله وليُحَرِّض المؤمنين على الجهاد، وليبتهل إلى الله عز وجل أن يدمر الكافرين وأن يجعل للمؤمنين فرجا قريبا ونصرا مُعَجَّلا. إن أي جهد يُبذل في غير سبيل الجهاد هو جهد ضائع وإن أي مال ينفق في غير هذا السبيل هو مال ضائع، يجب حشد الجهود والموال لدفع عجلة الجهاد الذي تَعَيَّن كطريق شرعي وحيد للخلاص في هذا الزمان.
وينبغي ألا يغيب عن الذهان ما قررناه في أوائل الكلام عن الإعداد الإيماني من أن أسباب فشل المسلمين هي أسباب ذاتية داخلية في المقام الأول، لقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [7] ، ولقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [8] ، وأنه لا أمل في الإصلاح العام إلا بعد الإصلاح والتغيير الذاتي الداخلي لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [9] .
وبناء على هذا نقول: إن تسلط العدو على المسلمين وإذلاَلَه لهم هو بسبب تفرقهم واختلافهم، كما في حديث ثوبان مرفوعا أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: «وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا» الحديث [10] ، ولا يتم الخلاص من هذا الوضع المهين إلا بعلاج سببه، وذلك باجتماع المسلمين. والتفرق كما أنه سبب لتسلط العدو فهو نفسه نشأ لأسباب أخرى يجب علاجها، ومنها التهاون بأحكام الدين وإغفال العمل ببعضها، هذا يؤذي إلى الإختلاف والتفرق كعقوبة قدرية، قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [11] ، وقال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [12] ، وعلاج هذا يكون بالاعتصام بالكتاب والسنة ـ وقد ذكرت أصوله من قبل ـ بهذا
(1) - سورة آل عمران، الآية: 103
(2) - متفق عليه.
(3) - سورة البقرة، الآية: 114.
(4) - القرطبي 2/ 78
(5) - سورة المائدة، الآية:2
(6) - الأنفال، الآية: 27
(7) - سورة النساء، الآية: 79
(8) - سورة الشورى، الآية: 30
(9) - سورة الرعد، الآية: 11
(10) - رواه مسلم.
(11) - سورة المائدة، الآية: 14
(12) - سورة المءمنون، الآية: 53