فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 403

وقد ورد الأمر بوجوب الجماعة صريحا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: الجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل الله» [1] . وهذا حديث مفصل في المسألة التي نحن بصددها فالحديث بدأ بلفظ (الجماعة) واختتم ب (الجهاد) فطريق الجهاد يبدأ بتكوين جماعة مسلمة تربطها الموالاة الإيمانية، ولابد للجماعة من رأس (أمير) ، فَصَّلنا هذا في الباب الثالث من هذه الرسالة، أما في حديث الحارث فلم يُذْكَر الأمير صراحة، وإنما ذُكِرَ ضمنا بقوله: «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ» أي لأمير الجماعة، وذكر صلى الله عليه وسلم «السَّمْعِ وَالطَّاعَة» لأنها من أعظم أسباب وحدة الجماعة وتماسكها وقوتها، ثم ذكر «الْهِجْرَة» وأشرت في الفقرة (11) أنها غالبا ما تكون مقدمة وقرينة للجهاد في سبيل الله، ثم ختم الحديث بالجهاد في سبيل الله إشارة إلى أنه من أهم أعمال المسلمين (كما في الفقرة 9) وإشارة إلى أنه محصلة لكل ما سبقه، فبالجماعة والسمع والطاعة تتكون الشوكة اللازمة للجهاد، وبالهجرة يكون الإستعداد والتجهيز للجهاد.

والنصوص في تَكَوُّن الشوكة بالموالاة الإيمانية كثيرة منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [2] ، وقوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [3] ، فكف بأس الكافرين لا يتم إلا بالشوكة المتحصلة بتحريض المؤمنين، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: «وقاتل بمن أطاعك من عصاك» [4] .

مما سبق تعلم أهمية الجماعة في الجهاد وأنه لا يأتي بثمرته (النصر) إلا بها {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} ، وعلى النقيض من ذلك فإن التفرق والاختلاف من أول أسباب الهزيمة والخذلان، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [5] ، وهذه الهزيمة هي بعض العذاب المتوعَّد به في قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [6] ، وقد قال الله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [7] ، فالهزيمة وإذلال العدو الكافر للمسلمين هي من العذاب الأدنى عقوبة على التفرق والاختلاف، وقد ذكرت في حديث ثوبان الذي رواه مسلم أن العدو لا يتسلط على المسلمين قدرا إلا إذا اختلفوا وتقاتلوا.

(1) - رواه أحمد عن الحارث الأشعري، وصححه الألباني.

(2) - الأنفال، الآية: 65.

(3) - سورة النساء، الآية: 84.

(4) - رواه مسلم عياض بن حمار

(5) - سورة الأنفال: الآية: 46.

(6) - سورة آل عمران، الآية: 105

(7) - سورة السجدة، الآية: 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت