فهرس الكتاب
والصبيان) وقال ابن حجر: [وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب] على أن الرواية اختلفت في تاريخ هذا النهي فقيل لما بعث إلى ابن أبي الحقيق، رواه أبو داود، وقبل يوم حنين رواه ابن حبان [1] .
وقد أورد أبو بكر الحازمي هذين الحديثين وقال ذهبت طائفة إلى أن الأول ناسخ للثاني وطائفة إلى عكس ذلك وطائفة إلى الجمع بينهما، ثم أورد قول الشافعي ـ بما يؤيد الجمع ـ [قال الشافعي حديث الصّعب كان في آخر عُمرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق من غير شك والله أعلم، قال الشافعي رحمه الله ولم نعلمه رَخَّص في قتل النساء والولدان ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا والله أعلم عن قتل النساء والولدان أن يقصدهم بقتل وهم يُعرفون متميزين ممن أمر بقتله منهم، ومعنى قوله"منهم"أنهم يجمعون خصلتين أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع به الدم، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع به الغرة على الدار، ولذا أباح النبي صلى الله عليه وسلم البَيَات والغارة على الدار وأغار على بني المصطلق غارين، والعلم يحيط أن البيات والغارة إذا حَلاَّ بإحلال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُمْنع أحد بَيَّت أو أغَارَ من أن يُصيب النساء والولدان فيسقط المأثم فيهم والكفارة والعقل والقود عمن أصابهم إذا أبيح أن يُبَيِّت ويُغَيِّر، وليست لهم حرمة الإسلام، ولا يكون له قَتْلَهم عامدا لهم متميزين عارفا بهم، وإنما نهى عن قتل الولدان لأنهم لم يبلغوا كفرا فيعملوا به فيقتلوا به، وعن قتل النساء لأنه لا معنى فيهن لقتال وأنهن والولدان مُتَخَوَّلون فيكونون قوة لأهل دين الله عز وجل] أ هـ [2] .
قلت: خلاصة قول الشافعي ـ وهو ما ذكره النووي من قبل ـ أنه لا إثم في قتل الذراري إذا لم يتميزوا عمن يُراد قتله من الكافرين، على ألا يتعمد قتلهم. والله تعالى أعلم.
ثالثا: السرية في الإسلام:
قد تتعلق السرية في الإسلام بالدعوة ككل أو بالفرد أو بالأعمال العسكرية، ولكل من هذه الوجوه دليله.
أ = سرية الدعوة: الأصل في دعوة الإسلام الجهر والعلن وذلك لأنهما دعوة لعموم الخلق، ولقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [3] ، ومع ذلك فقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم مُخْفِيا دعوته حتى أذن الله له.
فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: (في قوله تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} [4] ، قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُخْتَف بمكة) [5] ، قال ابن حجر: [مختف بمكة: يعني أول الإسلام] [6] .
(1) - فتح الباري 6/ 147
(2) - الإعتبار في الناسخ والمنسوخ للحازمي ط مطبعة الأندلس بحمص 1386هـ ص 215
(3) - سورة المائدة، الآية: 67
(4) - سورة الإسراء، الآية: 110
(5) - حديث: 4722
(6) - فتح الباري: 8/ 405