فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 403

حيث يَغْلُب على الناس القرب من الله تعالى في هذه الحالة. والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائم التوجيه لأصحابه مع قيامهم بالجهاد، وما قال أحد نؤجل الجهاد حتى تكتمل التربية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لسرية عبد الله بن حذافة: «لو دخلوها ماخرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» [2] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» [3] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [4] ، وقوله صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» [5] ، كذلك فقد وقعت قصة الإفك بعد إحدى الغزوات وأقام النبي صلى الله عليه وسلم حد القذف على من خاضوا فيها ومنهم من شهد بدرا وهو مِسْطَح بن أُثاثة ومنهم شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت [6] . ولهذا فقد يكون الرجل كاملا فاضلا مشهودا له بالجنة يعنا ويقع في الكبائر كمسطح بن أُثاثة وحاطب بن أبي بلثعة رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن حاطب: «أو ليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع على عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة» [7] ، وقال ابن حجر: [إن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يُقطع له بالجنة لا يُعصم من الوقوع في الذنب لأن حاطبا دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة ووقع منه ما وقع] [8] . وأمثلة هذا كثيرة. فالتربية الإيمانية تمارس أثناء الجهاد ولا يؤجل الجهاد من أجلها. فهي ـ كما سبق ـ لا تنتهي إلا بموت العبد، والله سبحانه يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء.

5 = العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، ويجوز للفاسق أن يخرج للجهاد تابعا (جنديا) إذا كانت منفعته للجهاد أعظم من مفسدته، كما سبق تفصيله، ويُمنع من فيه إفساد أو خيانة.

6 = إنه لا يعيب طائفة من المسلمين أن يكون بين صفوفها بعض العصاة، إنما يعيبها أن تقرهم على المعاصي ولا تأخذهم بطاعة الله تعالى أمرا ونهيا، إذ إن الخطأ والمعصية لا تنفك عن الإنسان، وقد أقام صلى الله عليه وسلم حدود الزنا والقذف والخمر والسرقة والحرابة في حياته صلى الله عليه وسلم، وكان المنافقون يخرجون معه في الغزو كما سبق في أوائل هذه الرسالة، ولم يقل أحد لا نجاهد طالما في الصفوف عصاة أو منافقون. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي عليكم يوم إلا والذي بعده شر منه» [9] . والمقصد من هذا أنه إذا وجد بعض العصاة في طائفة مجاهدة قائمة بأمر الله فإن هذا ليس بمبرر لترك الجهاد معها بحجة أن بها بعض العصاة.

(1) - رواه البخاري.

(2) - رواه البخاري.

(3) - متفق عليه.

(4) - رواه البخاري.

(5) - رواه البخاري.

(6) - انظر فتح الباري ج 8 ص 478 ـ 479

(7) - رواه البخاري حديث 6936

(8) - فتح الباري ج 12 ص 310

(9) - رواه البخاري عن أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت