الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [1] ، وأمثال هذه الآيات الدالة على أن منزلة التقوى يتوصل إليها بالمحافظة على العبادات والأحكام مع المواظبة عليها.
واعلم أن التقوى هي ميزان تفاضل الخلق، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [2] ، فبقدر محافظة العبد على وظائف العبودية لله تعالى تكون منزلته.
ومما ينبغي التنبيه عليه فيما يتعلق بتقوى الله - عز وجل -، أن التقوى لا تتعلق بمكان دون آخر أو بحال دون آخر، فمن الناس من يتقي في بلده فإذا تَغَرَّب عنها ارتكب الموبقات، فهذا لا يتقي الله وإنما يتقي الناس الذين يعرفونه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت» [3] ، وقال الله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [4] .
قال ابن رجب الحنبلي: [فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر» [5] أهـ] [6] .
وتشكل المعسكرات ـ بما توفره من بيئة جديدة غير التي اعتادها الفرد، وبما توفره من صحبة صالحة ـ تشكل فرصة طيبة لمجاهدة النفس في التخلص من العادات السيئة، فإن تغيير المكان عامل هام في المجاهدة، انظر مثلا حديث قاتل المائة كيف نصحه العالم بأن يترك بلده ويذهب إلى بلد آخر به قوم صالحون، فهذه المعسكرات تشكل فرصة ليبدأ الإنسان حياة جديدة خالية مما يُكَدِّر عليه صفو صلته بالله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله: [الوصول إلى مطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العوائق، فالعوائد السكون إلى الدعة والراحة وما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والأوضاع ـ إلى قوله ـ وهذا أعظم الحجب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنها تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه وهي ثلاثة أمور، شرك وبدعة ومعصية فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد وعائق البدعة بتحقيق السنة، وعائق المعصية بتصحيح التوبة وهذه العوائق لا تتبين للعبد حتى يأخذ في أهبة السفر ويتحقق بالسير إلى الله والدار الآخرة، تظهر له هذه العوائق ويحس بتعويقها له بحسب سيره وتجرده للسفر وإلا فما دام قاعدا لا يظهر له كوامنها وقواطعها.
(1) - سورة البقرة، الآية: 183
(2) - الحجرات، الآية: 13
(3) - رواه الترمذي وحَسَّنه عن معاذ.
(4) - سورة يونس، الآية: 61
(5) - رُوِيَ هذا مرفوعا، ورُوِيَ عن ابن مسعود من قوله.
(6) - جامع العلوم والحكم ـحديث 18 ـ ص 140 ـ 141