يَنصُرُهُ لا يتحقق، بل حالنا نحن ـ المسلمين ـ بلغ من الذلة والهوان مبلغا لا يخفى على أحد، لأن كثيرا من الأعمال المفترض أنها لنصرة دين الله تعالى هي في حقيقتها ليست كذلك، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [1] .
إن الصدق دعامة أساسية من دعائم هذا الدين، بل إن هذا الدين ما بدأت دعوته إلا على هذه الدعامة، كما قال ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا (لَمَّا نَزَلَتْ {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [2] ، صَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ ـ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ ـ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» [3] . قال ابن حجر: [ «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ ... » أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن الأمر الغائب] [4] .
إن هذا الدين لن يقوم إلا بالجهاد «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» [5] ، وإن الجهاد لا يقوم إلا بالجماعة (عصابة من المسلمين) ، وإن الجماعة لا تتكون إلا بالدعوة {حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [6] ، وإن الدعوة تعتمد على الثقة في الداعي وصدقِه كما في الحديث السابق «مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًا» .
إن الكذب مستقبح عند المشركين، انظر إلى قصة أبي سفيان مع هرقل لما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أبو سفيان ـ وكان مازال مشركا ـ أن يكذب في الخبر فاستحى ممن معه من قريش أن يَأثِروا عليه كذبا، وإن الكذب قبيح من رجل من العامة فكيف برجل داعية؟
7 = التوكل
في اللغة: التوكل مأخوذ من الوكالة: يقال: وَكَلَ فلان أمره إلى فلان، أي فوض أمره إليه واعتمد فيه عليه [7] .
وفي الإصطلاح: هو صدق اعتماد القلب على الله - عز وجل - في استجلاب المصالح ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة كلها [8] .
ولا يتم هذا الإعتماد إلا إذا اعتقد المتوكل تمام العلم والقدرة والرحمة، فإذا أيقنت بهذا في الله تعالى وحده اتكل قلبك عليه وحده، وإذا ضعف هذا اليقين في الله تعالى ضعف التوكل.
فالتوكل هو ثمرة الفقه في أسماء الله تعالى وصفاته، كصفات العلم والقدرة والرحمة والحكمة، فمن أيقن بكمال علم الله تعالى وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ومالا يكون لو كان كيف يكون، وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، اعتمد عليه وفوض أمره إليه لأنه سبحانه يعلم من مصالح العبد الآجلة والعاجلة مالا يعلمه العبد نفسه، ولذلك قال شعيب - عليه السلام: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [9] ، فبين أن التوكل هو ثمرة اليقين بسعة علم الله تعالى وكماله.
وكذلك القدرة، فإذا أيقنت بأن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، اعتمدت عليه في قضاء حوائجك من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما قال تعالى عن هود - عليه السلام - {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [10] ، فبين أن من أسباب توكله علمه بأنه ما من دابة إلا والله لآخذ بناصيتها وتحت سلطانه وقهره، فلا يخشى من قومه الذين كفروا به شيئا طالما كانوا تحت قهر ربه سبحانه وتعالى وقدرته، إلا ما شاء الله سبحانه. وكذلك صفة الرحمة، العلم بها باعث على التوكل، كما قال تعالى عن يعقوب - عليه السلام - {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [11] ، وكذلك صفة الحكمة، فتعلم أن لله حكمة بالغة فيما قضى لك به وإن بدا لك غير ذلك، فثمرة التوكل الرضا بالقضاء، ولذلك ورد في قول هود عليه السلام بعدما أعلن توكله وبَيَّن أنه مبني على علمه بقدرة الله تعالى {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} قال هود - عليه السلام: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [12] ، أي حَكَمٌ عدل ما قضى به فهو الحق، سواء كان هذا القضاء هو تمكين الكافرين من إيذاء هود أو ظهوره عليهم وانتقام الرب جل وعلا منهم، وهذا يشبه قول يعقوب عليه السلام لبنيه {وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ} [13] ، فلله حكمة بالغة فيما يقضي به، وإن خفي وجه الحكمة على العبد، وهو سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن إلا بالخير. وذلك حتى لا يقول قائل: توكلت على الله ثم قضى بغير ما أحب، فهذا لا يؤمن بصفة الحكمة لله جل وعلا ويتعبد ببعض صفاته سبحانه دون البعض، وعنده من نقص الإيمان بحسبه.
(1) - سورة الرعد، الآية: 11
(2) - سورة الشعراء، الآية: 214
(3) - رواه البخاري.
(4) - فتح الباري 8/ 503
(5) - رواه مسلم.
(6) - الأنفال، الآية: 65.
(7) - مختصر منهاج القاصدين.
(8) - جامع العلوم والحكم ص 380
(9) - سورة الأعراف، الآية: 89
(10) - سورة هود، الآية: 56
(11) - سورة يوسف، الآية: 64
(12) - سورة هود، الآية: 56
(13) - سورة يوسف، الآية: 67