فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 403

والذي بعده شر منه» [1] ، فكيف بالحال الآن؟. والمقصد من ذكر حديث حذيفة هنا قوله (وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا) وفيه الإشارة إلى تحري الأمانة فيمن تعاملهم وتأتمنهم على الأمانات.

5 = الإحسان:

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» [2] . والمقصد بالإحسان هنا إتقان العمل الموكل إليك على أحسن الوجوه التي ترضي الله. سواء كان هذا العمل تدريبا أو حراسة أو عملا إداريا أو توجيها شرعيا أو غير ذلك مما يكلفك به الأمير، سواء كنت تحب هذا العمل أو لا تحبه كما سيأتي في السمع والطاعة في المَكْره.

ومن شعب الإيمان أن تؤدي حقوق الناس بالإتقان الذي تحب أن يؤدي به الناس حقك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [3] ، وعن عبد الله بن عمرو مرفوعا «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليَاتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» [4] .

6 = الصدق:

الصدق (هو مطابقة القول الضمير والمخبر عنه، فإذا انخرم شرط لم يكن صدقا، بل إما أن يكون كذبا أو مترددا بينهما على اعتبارين، كقول المنافق: محمد رسول الله فإنه يصح أن يقال صَدَقَ لكون المخبَر عنه كذلك، ويصح أن يقال كَذَبَ لمخالفة قولِه لضميره) [5] .

وكما يستعمل الصدق والكذب في القول، فإنهما يستعملان في الاعتقاد (فيقال فلان صادق الإيمان ونحوه) ، ويستعملان في الفعل (فيقال فلان صدق في القتال ونحوه) .

والصدق قد يكون بين العبد وربه، أو بينه وبين الناس.

والصدق مع الله تعالى يكون في القيام بوظائف العبودية على الوجه المطلوب، ويكون بالوفاء بما ألزم العبد به نفسه أمام ربه سبحانه، كما في قوله تعالى: {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [6] ، وقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [7] .

أما الصدق مع الناس فإنه ينفع العبد في آجله وعاجله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [8] .

وليس هذا بمقام بسط الحديث في الصدق، وإنما أردت هنا التنبيه على مسألة الصدق في العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية. حيث تفتقر الساحة الإسلامية المعاصرة إلى الصدق، يعرف هذا من يعايش هذه الساحة ودعاتها معايشة عميقة. فما يقال للمسلمين على ألسنة بعض الدعاة كثير منه كذب متعمد خاصة فيما يتعلق بنصرة الطواغيت وأنظمتهم بتحريف الكلم عن مواضعه ولَبْس الحق بالباطل، ومن هؤلاء الدعاة من تُسَلَّط عليه الأضواء وتُضْفَى عليه الألقاب وتُفْرَد له الصفحات الطوال ليقوم بمهمته الشيطانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» [9] . ثم إن كثيرا من الدعاة تُكَذِّب أفعالُهم أقوالَهم. وإذا أردت أن تختبر صدق الداعية في هذا الزمان فاسأله عن الطواغيت وعن حكم جهادهم، صدقك القول فانظر في فعله وسيرته هل تصدق قوله أم لا؟ لقد أصبحت هذه المسألة في هذا الزمان فُرْقَانَا بين الحق والضلال، تماما كما كانت مسألة خلق القرآن زمن أحمد بن حنبل رضي الله عنه. كذلك فإن هناك أعمالا تقدم للناس على أنها إسلامية وحقيقتها ليست كذلك بل منها ما يهدف إلى نهب صدقات المسلمين أو يهدف لتحقيق مآرب شخصية أو حزبية، ومنها ـ وهو أشرها ـ ما هو حقيقته مراكز تجسس تعمل لحساب الطواغيت ولنشر دعاياتهم وكفرهم تحت غطاء إسلامي كمسجد الضرار، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [10] ، كذلك فإن هناك أعمالا إسلامية تصبغ بصفة العالمية، ومنها ما يُنْفَق عليه بسخاء والهدف معروف وهو أن تمتد أيدي الأخطبوط إلى جميع البلدان تحت ستار العالمية تتحسس وتمسك بأي حركة إسلامية وليدة فيما يسمى بسياسة الإحتواء.

وفيما سبق الكفاية، وفي التلميح ما يكفي عن التصريح، قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [11] ، والمقصود بيان أن كثيرا من الأعمال الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى الصدق، وليس هدفها الحقيقي نصرة دين الله تعالى، ولذلك فإنها ممحوقة البركة، قال صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [12] ، ولذلك أيضا فإن الوعد الصادق وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ

(1) - رواه البخاري عن أنس.

(2) - رواه مسلم عن شداد بن أوس.

(3) - متفق عليه عن أنس.

(4) - رواه مسلم.

(5) - فتح الباري 10/ 507

(6) - سورة الأحزاب، الآية: 23

(7) - سورة التوبة، الآيات: 75 إلى 77

(8) - متفق عليه عن ابن مسعود - رضي الله عنه -.

(9) - متفق عليه عن حذيفة.

(10) - سورة التوبة، الآيتان: 107 ـ 108

(11) - سورة محمد، الآية: 30

(12) - رواه مسلم عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت