وهناك أحوال لا تصلح فيها الأسباب ولا يمكن الأخذ بها، وإذا نزلت بالمرء فليس له إلا عمل القلب وحده بصدق التوكل عليه، كالإستعادة بالله من الشيطان فإنه عدو خفي لا يمكن الاحتراز منه، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [1] ، وكذلك إذا أحاط بك العدو الإنسي ولم تكن لك حيلة، روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: « {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا لَهُ: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [2] » .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [3] ، أي فهو كافيه. قال ابن القيم رحمه الله: [والتوكل تارة يكون توكل اضطرار وإلجاء بحيث لا يجد العبد ملجأ ولا وزرا إلا التوكل كما إذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير البتة: وتارة يكون توكل اختيار وذلك التوكل مع وجود السبب المفضي إلى المراد فإن كان السبب مأمورا به ذُم على تركه، وإن قام بالسبب وترك التوكل ذم على تركه أيضا، فإنه واجب باتفاق الأمة ونص القرآن والواجب القيام بهما والجمع بينهما. وإن كان السبب محرما حرم عليه مباشرته وتَوَحَّد السبب في حقه في التوكل فلم يبق سبب سواه فإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق، وإن كان السبب مباحا نظرت هل يُضْعِف قيامك به التوكل أو لا يضعفه فإن أضعفه وفرق عليك قلبك وشتت همك فتركه أولى وإن لم يضعفه فمباشرته أولى لأن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به فلا تعطل حكمته ـ إلى أن قال ـ وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الإعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء] [4] .
قلت: وفي مقام الجهاد فإن التوكل وهو اعتماد القلب على الله وحده مبني على سعة علم الله تعالى وإحاطته بالكافرين {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [5] ، وقدرته سبحانه عليهم وإن بلغوا من القوة والكثرة ما بلغوا {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} [6] ، ومع أن الأخذ بالأسباب واجب شرعا في هذا المقام وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا
(1) سورة النحل، الآيتان: 98 ـ 99
(2) سورة آل عمران، الآية: 173
(3) سورة الطلاق، الآية: 3
(4) - الفوائد لابن القيم ص 86 ـ 87
(5) - سورة البقرة، الآية: 19
(6) - سورة الأنفال، الآية: 59