فمن عَدَلَ عن حكم الله تعالى إلى حكم غيره فقد اتخذ إلها مع الله، إذ لم يُفرد الله تعالى بالأمر والحكم كما قضى سبحانه بقوله: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [1] .ومن أسبغ هذا الحق الإلهي الخالص ـ وهو حق التشريع ـ على أحد من الخلق، فقد جعل لله عَدْلًا ونظيرا، وهذا لاشك في كفره لقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [2] . أي يجعلون لله عَدْلًا ونظيرًا في صفاته وأفعاله ومنها التشريع.
ومن هذا تدرك يا أخي المسلم أن النظم البشرية المخترعة من قوانين وضعية وديمقراطية واشتراكية وشيوعية وغيرها من الضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان هي كلها كفر بواح، وتدرك أيضا أن حكم الطواغيت القائم ـ بكثير من بلدان المسلمين ـ على هذه النظم هو عدوان صارخ على ألوهية الله تعالى لخلقه في هذه الأرض، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [3] ، أي المعبود في السماء والأرض، ذلك العدو لن الذي يوجب على المسلمين أن يَهُبُّوا ليدفعوا عن ألوهية ربهم سبحانه، وهذا هو معنى نصرة الله تعالى المذكورة في قوله سبحانه: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [4] ، ويُطْلَقُ على هذا شرعًا الجهاد في سبيل الله تعالى.
إن الله تعالى غني عن خلقه، وقال سبحانه: [يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني] [5] . وهو سبحانه إنما ابتلانا في هذه الدنيا بالكافرين فتنة واختبارا لنا، وأمرنا بجهادهم ودفعهم، ليعلم سبحانه صادق الإيمان الذي سيمتثل أمره بالجهاد من كاذب الإيمان القاعد عن الجهاد، قال تعالى {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [6] ، وقال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [7] . مع قدرته سبحانه ـ التي لا يشك فيها ـ على إهلاك الكافرين ب"كن فيكون"، وإنما أراد سبحانه اختبار صدق إيماننا كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [8] ، وقال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ} [9] .
وهنا لابد أن يبرز لكل منا السؤال التالي: كيف يتأتى لنل القيام بواجب الجهاد ونحن في هذا الحال من الضعف والتفرق وقِلَّة الحيلة؟ والجواب هو قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا
(1) - سورة يوسف الآية:40.
(2) - سورة الأنعام الآية1.
(3) - سورة الزخرف، الآية:84
(4) - سورة محمد، الآية:7.
(5) - رواه مسلم عن أبي ذر مرفوعا
(6) - سورة الفرقان، الآية: 20.
(7) - سورة محمد، الأية: 31.
(8) - سورة محمد، الأية: 4
(9) - سورة العنكبوت، الآية:6