فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 403

الباب الأول: تَذْكِرَة في الإخلاص والاحتساب

الإخلاص هو قصد الله تعالى وحده لا شريك له بالعبادة بالتبري عن كل ما دون الله، وتخليص القصد والنية من كل غرض دنيوي، فالإخلاص هو تخليص النية والعمل من شوائب الشرك. فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيّات وَإِنَّمَا لكل امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ ينْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [1] .

وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقتل ليُذْكَر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه؟ ـ وفي رواية يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ـ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [2] .

والتدريب العسكري من مقدمات الجهاد وله نفس مقاصده، والأخ المسلم معرض للإصابة أو الشهادة أثناء التدريب، فالواجب عليه إخلاص نيته وأن يكون قصده من التدريب هو الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا حتى يحتسبَ له أجره كاملا إن شاء الله، فالثواب الموعود للمجاهدين معلقٌ كل على شرط أن يكون العمل (في سبيل الله) .

فلا يتدرب أو يجاهد بغرض أن يُذكَر ويُرى مكانه فيقال عنه إنه شجاع، ولا بغرض أن يعود إلى بلده فيقوم مقام سمعته ليُقَال عنه المجاهد الشجاع الذي فاق أقرانه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ» [3] .

ولا يتدرب المسلمُ أو يجاهدْ بغرض التوصلِ إلى نفعٍ مالي أو رئاسة وتَقَدُّم على غيره، فقد يُقتل قبل أن يحصل له شيءٌ من ذلك فيكون قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» [4] . ومعناه أن الحرص على المال والشرف وهو الريَاسَةُ يفسد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين لحظيرة الغنم، فما يبقى منه بعد هذا؟

ولا يتدرب المسلم أو يجاهد بغرض نصر جماعة أو حزب خاص فإذا كان الجهاد مع غير طائفته تركه، فهذا لا يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا بل لتكون كلمة الحزب أو الجماعة هي العليا، وهذه هي العصبية التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بال دعوى الجاهلية؟ .. دعوها فإنها مُنْتِنة» [5] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» [6] .

قلت: وأمثال هؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة، ومع ذلك فقد يكون لهم بلاء حسن في القتال ونصرة الدين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله عَزَّ وَجَل سَيُؤَيدُ هَذَا الدِّين بَأقْوامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُم» [7] .

ومن هؤلاء من جاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم كهذا الذي قاتل قتالا شديدا ولم يصبر على جرحه فَقَتَل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» [8] . وعن عمر بن الخطاب قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا إني رأيته في النار في بُردة غَلَّها ـ أو عباءة ـ» [9] . وعن عبد الله بن عمرو قال: «كَانَ عَلَى ثَقَلِ [10] النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (هُوَ فِي النَّارِ) فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا» [11] ، وذكر الواقدي أن هذا الرجل كان أسود يمسك دابة الرسول صلى الله عليه وسلم في القتال، وهو في النار بسبب الغُلُول وهو السرقة من الغنيمة.

وقد كان المنافقون يخرجون للغزو ويُنْفِقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كهذا الذي قال في غزوة بني المصطلق {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} [12] . وكهؤلاء الذين لمزوا الصحابة في غزوة تبوك فنزل فيهم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [13] . وأما نفقتهم فقد قال الله تعالى فيها: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} [14] . وهم مع جهادهم وإنفاقهم {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [15] . ونأخذ من هذا كثيرا من العِبَر منها أن ساحة الجهاد قد تجمع المنافق والفاجر وفاسد النية وأقواما لاخلاق لهم، وكل هؤلاء كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العِبَر أيضًا أن وجود هؤلاء بساحة الجهاد ليس بمبررٍ للقعود عن الجهاد بحجة أن بالصف مجروحين فقد قام الجهاد على عهد النبي

(1) - متفق عليه.

(2) - متفق عليه.

(3) - من حديث طويل رواه مسلم عن أبي هريرة.

(4) - رواه أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن كعب بن مالك - رضي الله عنه -.

(5) - رواه البخاري عن جابر بن عبد الله.

(6) - رواه مسلم عن جندب بن عبد الله.

(7) - رواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد 5/ 305) .

(8) - رواه البخاري عن أبي هريرة.

(9) - رواه مسلم.

(10) - الثَّقَل: هو العيال وما يثقل حمله من الأمتعة.

(11) - رواه البخاري.

(12) - سورة المنافقون، الآية: 8.

(13) - سورة التوبة، الآية: 65.

(14) - سورة التوبة، الآية: 53.

(15) - سورة النساء، الآية: 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت