صلى الله عليه وسلم مع وجود هؤلاء، وسيأتي مزيد بيان لهذا وفتوى ابن تيمية فيه، ومن العِبَر كذلك أن كون الرجل من المجاهدين والمنفقين غيرُ كاف لتعديله خاصة إذا قامت قرائنُ على تجريحه، فقد رأينا آنفًا أصنافا من المجروحين يجاهدون ويُنْفِقون.
وإذا كان كل هذا قد حدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه، فما بالك بالحال الآن؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَاتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» [1] . والمقصود من هذا أن يحتاط المسلم لنفسه من شر نفسه ومن فساد النية، ومن داخَلَه شيء من فساد أو اختلاط بالنية فلْيبادر بتصحيحها ولا يجعل للشيطان على نفسه سبيلا يفسد به عمله وجهاده، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّم» [2] . وقال صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ يُبْعَثُونَ على نِيَاتِهِم» [3] . وانظر إلى حديث أنس التالي يَدُلُّك على تصحيح النية، حيث قال: «وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلاَّ الدُّنْيَا فَمَا يلبَثُ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [4] . فاحرص على النية الصالحة كي تنتفع بعملك وجهادك. فإن الشريعة علقت أجر الجهاد على صلاح نية صاحبه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» [5] .
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [6] .
وتدبر يا أخي المسلم الآية التالية لتعلم أثر صدقِ النية في الثبات عند قتال العدو وفي تنزيل النصر، قال الله عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [7] . فقوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من صدق النية على الوفاء بهذه البيعة، بيعة الرضوان بالحديبية وكانت على الصبر وعدم الفرار وإن قُتِلوا، فكان ثواب صدق النية هو {فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} والسكينة هي الطمأنينة في موقف الحرب، فدل
(1) - رواه البخاري عن أنس.
(2) - متفق عليه.
(3) - متفق عليه.
(4) - رواه مسلم.
(5) - رواه مسلم عن أبي هريرة.
(6) - سورة آل عمران، الآية: 29 ـ 30.
(7) - سورة الفتح، الآية: 18 ـ 19.