فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 403

ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك [1] ، ومع السكينة {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً} وهو واضح. وهذه الآية دليل على أن الله يثيب صادق النية في الدنيا بإعانته على الطاعة وغير ذلك من الثواب فضلا عن ثواب الآخرة.

ومن علامات صدق النية ألا يتغير ثباتُك على الطاعة بمدح الناسِ لك أو بذمهم، وألا يتغير ثباتُك بالمنع والعطاء، وألا يتغير ثباتُك وإن تفرق عنك السائرون معك على درب الجهاد، وألا تستوحش من قلة السالكين. قال الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [2] . فإن تأثر عزمُك وثباتُك بشيء من هذا، فأنت لغير الله تعالى تعمل.

ومع حسن النية يلزم المسلم في هذا المقام أن يعلم أن أي جهد يبذله في الجهاد، قَلَّ أو كَثُرَ هو عمل صالح مُثاب عليه صاحبه إن شاء الله، أدرك غاية النصر والتمكين أو لم يدركها قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [3] .

والتدريب العسكري داخل في هذه الآية فهو نصب في سبيل الله وإنفاق وقطع أودية في سبيل الله وهو بلا شكَ موطئ يغيض الكفار، ولذلك فنحن ـ المسلمين ـ نتعبد لله بالإعداد والتدريب تماما كما نتعبد له سبحانه بالقتال ذاته وبالصلاة والصيام، وهذا المعنى ينبغي أن يكون حاضرًا في نفس كل أخ مسلم مقدم على التدريب طاعة وامتثالا لقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} .

والتدريب والجهاد من أفضل القربات إلى الله وأفضل من جميع النوافل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» [4] . وقال صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يعتزل الناس ويتعبد «لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ اغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» [5] . وعنه قال: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال «لا تستطيعونه» فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول «لا تستطيعونه» ، ثم قال: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلا صَلاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» [6] .

وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية: [إن الجهاد أفضل من الحج والعمرة ومن التعبد في المسجد الحرامِ الذي تعدلُ الصلاة فيه مائةَ ألف صلاة في غيره من المساجد، وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [7] .] [8] . وقد ورد في تفسير هذه الآية وفي سبب نزولها الحديث الذي رواه مسلم عن النعمان بن بشير عندما اختلف الصحابة في أي العمل أفضل؟ فنزلت الآية فحكمت بينهم.

وقال ابن تيمية في موضع آخر:[وكذلك اتفق العلماء ـ فيما أعلم ـ على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من الصوم التطوع، وأفضل من الصلاة التطوع.

والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة - رضي الله عنه: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة، لِمَعَانٍ منها أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدوُ ويخيف العدوَ.

فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ» [9] . وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» يعني منكرا ونكيرا. فهذا في الرباط فكيف الجهاد؟. [10]

وقال ابن قدامة الحنبلي: [قال أبو عبد الله ـ أحمدُ بن حنبلٍ ـ لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد] [11] ، قال الأثرم: قال أحمد لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل، وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وذُكِرَ له أمرُ الغزو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر أفضلُ منه، وقال عنه غيره: ليس يَعْدِل لقاء العدو شيءٌ ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدوَ هم الذين يَدْفَعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفونَ قد بذلوا مُهَجَ أنفسهم ـ إلى قوله ـ ولأن الجهادَ بذلُ المهجةِ والمال ونفعه

(1) - فتح الباري ج 6 / ص 118.

(2) - سورة آل عمران، الآية: 144.

(3) - سورة التوبة، الآية: 120 ـ 121.

(4) - رواه مسلم عن سلمان

(5) - رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة.

(6) - متفق عليه وهذا لفظ مسلم.

(7) - سورة التوبة الآية 19.

(8) - انظر (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 5، وج35 ص 160.

(9) - رواه أهل السنن وصححوه.

(10) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 418

(11) - روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت