يعم المسلمين كلهمْ صغيرَهم وكبيرَهم، قويَهم وضعيفَهم، ذكرَهم وأنثَاهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله وأجره [1] .
وقال الإمام السَرخسيُّ في شرحه لكتاب (السير الكبير) للإمام محمد بن حسن الشيباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه معاوية بن قرة: «في كل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد» ، قال السَرخسي: [ومعنى الرهبانية التفرغُ للعبادة، وترك الاشتغالِ بعملِ الدنيا، وكان ذلك في الأمم الخالية بالاعتزال عن الناس والمُقَامِ في الصوامع، فقد كانت العزلة فيهم أفضل من العِشْرة، ثم نفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «لا رهبانية في الإسلام» وبين طريق الرهبانية لهذه الأمة بالجهاد ففيه العِشْرة مع الناس، والتفرغ عن عمل الدنيا والاشتغال بما فيه سنام الدين، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد سنام الدين، وفيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وهو صفة هذه الأمة، وفيه تعرض لأعلى الدرجات وهو الشهادة فكان أقوى وجوه الرهبانية. أ ـ هـ] .
ولذلك ينبغي ألا يتعلل مسلم بانشغاله في الطاعات الأخرى للقعود عن التدريب والجهاد، بل هذا من تلبيس الشيطان، وهي العقبة السادسة من العقبات التي يضعها الشيطان في طريق العبد كما ذكرها ابن القيم، فالعقبة الأولى محاولة ايقاعه في الكفر، والثانية في البدع، والثالثة في الكبائر، والرابعة في الصغائر، والخامسة في شغله بالمباحات عن الطاعات، قال ابن القيم: [العقبة السادسة: وهي العقبة المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحَسَّنها في عينه، وزَيَّنها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا، لأنه لَمَّا عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كَمَاله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن الأرضى له ـ إلى قوله ـ وفي الحديث الآخر «الجهاد ذروة سنام الأمر» ـ إلى قوله ـ ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العزم، السائرون على جادة التوفيق قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه] [2] .
فهذا إيضاح في مسألة تفاضل الأعمال وهو أصل مقرر في عقيدة أهل السنة، يدل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [3] . والإيضاح الثاني هو أنه لا ينبغي للمسلم أن يحزن إذا عجز حين التدريب والجهاد عن المواظبة على ما اعتاده من النوافل كالتلاوة والذكر والصلاة والصيام، فأجر ذلك كله يجري عليه إن شاء الله، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [4] .
(1) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 368 ـ 369.
(2) - (مدارج السالكين) ج 1 ص 222 ـ 226
(3) - رواه مسلم عن أبي هريرة
(4) - رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري.