ويجب على كل من يسر الله له أمر التدريب والجهاد أن يحمد الله على هذه النعمة التي حُرِمَ منها الأكثرون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [1] . وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» [2] ، إلا أن الثواب في هذه الأحاديث معلق على انتفاء المانع في حق صاحبه، فقد رأينا آنفا رجالا قاتلوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال عنهم إنهم في النار، وكذلك حديث الذي قاتل ليقال عنه أنه جريء، والمانع قد يكون حَالًا يعرض للمسلم حال جهاده كالرياء والعجب والمن والخيانة والغلول، وقد يكون آجلا يعرض له بعد الجهاد فيما بقي من حياته، كما ورد في حديث الصادق المصدوق عن ابن مسعود مرفوعا «فَوَالله الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» [3] . وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» [4] . وقال ابن حجر في شرحه: [قال ابن بطال: في تَغْيِيب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف، لأنه لو علم وكان ناجيا أُعْجِبَ وكسل، وإن كان هالكا ازداد عتوا، فَحُجِبَ عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء] [5] . فاحرص على ألا يعرض لك ما يضيع ثواب جهادك.
ألا ترى إلى قوم جاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر عنهم إنهم في النار، وقوم صحبوه صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا بعد مماته. فهذا في سوء الخاتمة بعد عمل الصالحات.
ثم انظر كذلك إلى قاتل المائة كيف تاب الله عليه وطوى له الأرض، وإلى سحرة فرعون قال ابن كثير: [فكانوا في أول النهار سَحَرَة، فصاروا في آخره شهداء بررة] [6] ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وهذا في حسن الخاتمة بعد عمل السيئات.
وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [7] . قال ابن كثير في تفسيرها: [روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل» . وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من طريق مالك بن مِغْوَل به نحوه قال «لا يا بنت الصديق
(1) - رواه البخاري عن عبد الرحمن بن جبير.
(2) - رواه أبو داود والترمذي وحسنه عن معاذ.
(3) - متفق عليه
(4) - رواه البخاري عن سهل بن معاذ
(5) - (فتح الباري) ج 11 ص 330
(6) - ج 2 ص 238
(7) - سورة المؤمنون، الآية:60