ومما يؤيد سن الوجوب الذي ذهبنا إليه ما ذكره ابن عبد البر في مختصر السيرة قال: [وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ـ في غزوة أحد ـ سَمُرَة بن جندب الفزَاري ورافع بن خديج ولكل واحد منهما خمس عشرة سنة، وكان رافع راميا، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن أرقم وأبا سعيد الخدري، ثم أجازهم كلهم عليه السلام يوم الخندق ـ أي بعد ذلك بعام ـ إلى قوله ـ وإنما رد من لم يبلغ خمس عشرة سنة وأجاز من بلغها] [1] .
ومن تأمل قول ابن عبد البر، إن الصحابي رافعا بن خديج عندما أُجِيز للقتال في هذا السن كان راميا، أي متقنا للرماية، أدرك أنه تدرب على الرماية حتى أتقنها قبل سن الخامسة عشرة، وأدرك أن الصحابة كانوا يتدربون قبل بلوغهم هذا السن ليصبحوا مؤهلين للقتال عندها.
والخلاصة: على من يجب التدريب العسكري؟
يجب على كل مسلم بلغ الخامسة عشرة من عمره وهو عاقل سالم من العاهات والأمراض المانعة من التدريب، واحدًا للنفقة إذا لم يتم التدريب إلا بها.
ومعنى هذا أننا جعلنا التدريب فرض عين على المسلمين، فيسقط اعتبار الحرية والذكورية وإذن الوالدين وإذن الدائن. وذكرت ما يخص المرأة على التفصيل من قبل.
والأمة المسلمة أمة مجاهدة، وهي الوحيدة من أمم الأنبياء المكلفة بنشر دينها في الناس كافة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» [2] ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» [3] ، وذلك استجابة لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [4] . وهذه النصوص الشرعية تبين عِظَم التَّبِعَة المُلقاة على عاتق المسلمين في كل جيل، فالأمر جد لا هزل فيه.
وقد كان التدريب قديما ميسرا لكل مسلم وذلك لبساطة الأسلحة كما وكيفا، ولكن مع تطور الأسلحة باكتشاف البارود وظهور الأسلحة الفتاكة والثقيلة، خشي الحكام الظالمون من محاسبة الشعوب لهم، فَقَصَرُوا حمل السلاح والتدرب عليه على فئة محدودة موالية لهم من الشعب ومن الفئة المسماة بالجيش، وظلت بقية الشعب محرومة من ذلك، بل ومقهوره في أغلب الأحيان بالأقلية المسلحة، وحتى لا تشعر الشعوب بالقهر الحقيقي الذي يكتنفها، أغرقها الحكام الظالمون في كل ما يلهيها عن ذلك: من صراع على لقمة العيش إلى ملاهي وطرب إلى مسرح وسينما
(1) - (كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير) لابن عبد البر. ط 2 دار المعارف ص 147
(2) - رواه البخاري عن جابر
(3) - الحديث متفق عليه عن ابن عمر
(4) - سورة التوبة، الآية: 33 وسورة الصف، الآية 9