فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 403

فأجبته بما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الشأن، قال:[حتى لو كان الرجل قد حمل بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع أو رهونا أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينقها في سبيل الله، فإن ذلك مصرفها.

ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد، فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [1] . ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى خلاصه، مع ما يحصل له من أجر الجهاد] [2] .

قلت والآية المذكورة بتمامها هي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [3] . فبين الله عز وجل أن الجهاد بالمال والنفس من أسباب غفران الذنوب، وما يتبع ذلك من دخول الجنات.

والكلام السابق لشيخ الإسلام فيه الإجابة على الأخ السائل، وقد ذكرته هنا لينتفع به غيره، وهو أنه يجوز أن يقبل المال الحرام للنفقة في سبيل الله.

ولكن هل من أَعْطَى هذا المال الحرام يرتفع بذلك إثمه أو يثاب مع ذلك؟ يتوقف هذا على أمرين:

الأول: هل هذا المال الحرام من حقوق الناس ومظالمهم أم معصية في حق الله تعالى بين العبد وربه؟

الثاني: هل هذه العطية مقترنة بالتوبة ونية التخلص من الحرام أم لا؟ على تفصيل ليس هذا موضعه.

وقد قرر شيخ الإسلام الأصل السابق في أكثر من موضع في فتاويه: أن المال الحرام أو الذي لا يُعْرَف صاحبه يتصدق به ويصرف في مصالح المسلمين، وتقرأ في المجلد التاسع والعشرين في ص 262 كلامه عن مال الغُلُول من الغنيمة، وفي ص262 عن ما أخذ ظلما وفي ص250 عن اللقطة، ص276 المال المغصوب، ص291 ربح البيع المنهي عنه، ص307 مال الربا، ص307 مال المُغَنية، ص309 مال البَغِيّ (المومسة) والخمار، وغيرها من المواضع ص260، 263، 310، 321، 360، 363. وذكر أن هذا هو قول جمهور الفقهاء.

ومثل هذا ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه (جامع العلوم والحكم) في شرح الحديث العاشر «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» . قال: [الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به على صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. قال ابن عبد البر ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغَالّ إذا تفرق أهل العسكر ولم يَصِل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، رُوِيَ ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كان يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. ـ إلى أن قال ـ والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها. وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يُتْلِفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به، وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب، والصحيح الصدقة به لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا] [4] . والله تعالى المستعان.

(فصل) : وكما أن المال خير عظيم للجهاد، فقد يكون شرا مستطيرا عليه وذلك عندما يستخدم المال لشراء الذمم وبيع القضايا الإسلامية وتحويل مسار الجهاد أو التخلي عن بعض المبادئ، وقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للحصار الإقتصادي مدة ثلاث سنوات قضاها في شِعْب أبى طالب، وتعرض صلى الله عليه وسلم للإغراء المالي حيث عَرَضَ عليه مشركو مكة أن يجمعوا له من أموالهم حتى يصير أغناهم على أن يتخلى عن دعوته صلى الله عليه وسلم، وما من قضية إسلامية إلا ولابد أن تتعرض للإغراء والتهديد كأساليب للضغط والمساومات وطلب التنازلات، فهذه سنة قدرية لابد أن تقع كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [5] ، وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ} [6] . وكم من قضية رُفعت فيها الراية الإسلامية ويقاتل المسلمون تحتها لتنتهي القضية برفع الراية العلمانية بعد سقوط الآلاف من القتلى.

وقد يُستخدم المال لشق الصف الإسلامي، فيغفل المسلمون عن السلاح ويلتفتون إلى المال وقد حدث قريب من هذا من الرماة في غزوة أحد حتى كان ما كان، ومع الإلتفات إلى المال يدخل حب الدنيا وكراهة الموت وهو الوهن إلى القلوب وينتهي الأمر بالهزيمة، ومع الإلتفات إلى المال يدخل الحسد بين المسلمين فيتباغضون ويفترقون وقد يتقاتلون فيما بينهم. وكل ما سبق يُنْهِي قضية الجهاد بشر هزيمة. بعث سعد بن أبي وقاص خُمْسَ غنائم وقعة جلولاء إلى عمر بن الخطاب، قال ابن كثير: [فلما نَظَرَ ـ عمر ـ إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يُبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى البغضاء بينهم، ثم قسمه كما قسم أموال القادسية[7] .وقول عمر السابق مستفاد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ

(1) - الصف، الآية: 12

(2) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 421 ـ 422

(3) - الصف، الآية: 10 ـ 11 ـ 12

(4) - (جامع العلوم والحكم) ص 29، 90

(5) - العنكبوت، الآية: 2 ـ 3

(6) - آل عمران، الآية: 179

(7) - (البداية والنهاية) ج 7 ص 70

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت