فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 403

قال ابن المنيَّر: [يؤخذ من حديث الباب أن من تعيّن لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت لذلك المعيَّن شرعا وتجب طاعته حكما] كذا قال، ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه [1] .

وقال ابن قدامة الحنبلي: [فإن عدم الإمام لم يُؤخَر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع، قال القاضي ويؤخر قسمة الإمام حتى يظهر إمام احتياطا للفروج، فإن بعث الإمام جيشا وأَمَّر عليهم أميرا فقُتل أو مات، فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أمَّروا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرَضِيَ أَمرهم وصَوَّبَ رأيهم، وسمى خالدا"سيف الله"[2] ].

تنبيه: الرد على شبهة (لا جهاد بلا إمام) .

يثير البعض شبهة وهي كيف نجاهد وليس للمسلمين خليفة؟ وهي شبهة أوحى بها الشيطان للمخذلين والمثبطين عن الجهاد في هذا الزمان. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [3] . ثم نقل هذه الشبهة آخرون بحسن نية جهلا منهم.

وفيما ذكرته آنفا في المسألة الرابعة (متى تؤول سلطة التأمير إلى الرعية؟) رد كاف على هذه الشبهة. وهو انه يجب على المسلمين أن يؤمروا أحدهم عليهم للجهاد في غياب الإمام، وهذا قول البخاري [4] . وقول ابن حجر والطحاوي وابن المنيّر وابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية كما ذكرته في أول الباب، وأقوالهم مثبتة في المسألة الرابعة السابقة. وعمدة هذه المسألة هو حديث غزوة ومؤتة حيث أمَّر الصحابة خالدا عليهم لما قُتِل أمراؤهم وهم في غيبة عن الإمام (النبي صلى الله عليه وسلم) فرَضِيَ النبي صلى الله عليه وسلم صنيعهم هذا. وهناك شبهة تثار حول الاستدلال بهذا الحديث وهو أنه في مؤتة كان الإمام غائبا أما الآن فهو معدوم؟ وسأرد على هذه الشبهة أيضا فيما يأتي إن شاء الله.

وهناك دليل آخر، وهو حديث عبادة بن الصامت «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [5] . فهاهو الخليفة أو الإمام قد كَفَر وسقطت ولايته. ويجب الخروج عليه وقتاله وعزله ونصب إمام عادل، وهذا واجب بإجماع الفقهاء كما نقل ذلك النووي وابن حجر [6] . فهل نقول لا نخرج على الحاكم الكافر إذ لا إمام، ومن أين لنا الإمام وقد كَفَر ووجب الخروج عليه، أم ننتظر إمامًا مُغَيَّبا ونترك المسلمين لفتنة الكفر والفساد؟ أيقول بهذا مسلم؟ إن الحديث السابق فيه تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بمقاتلة الإمام والخروج عليه إذا كَفَر. فنحن نسأل أصحاب هذه الشبهة كيف يُقاتِل المسلمون في هذه الحالة حيث لا إمام؟ والرد الشرعي هو أن يفعلوا كما فعل الصحابة في مؤتة فيؤمروا أحدهم.

وهذه الشبهة هي من صميم اعتقاد الشيعة وَرَدَ في العقيدة الطحاوية [ (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين .... ) قال الشارح: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه!! وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل] [7] . ومع أن الشيعة خالفوا هذه العقيدة مع بَدء ثورة الخميني وهذا من أظهر الأدلة على فساد هذا الاعتقاد الذي مازال مكتوبا في كتبهم، فالعجيب هو أن تعلق هذه الشبهة ببعض المنتسبين إلى أهل السنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يبرح هذا الدين قائما يُقاتِل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» [8] .

أليس «لن يبرح، ولا تزال» أفعال تفيد الاستمرار؟، أي استمرار القتال على الدين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى أنه سيأتي على المسلمين زمان لا يكون لهم فيه إمام، ومع ذلك فقد نص صلى الله عليه وسلم على استمرار القتال. فالجهاد في سبيل الله لا يتوقف بسبب غياب الإمام، بل يؤمِّر المسلمون أحدَهم كما في حديث مؤتة، بل إن غياب الإمام هو من دوافع الجهاد لِنُصْبَة الإمام الذي يقيم الشريعة ويحوط الملة، وعلى كل مسلم في هذه الحالة أن يعتصم بهذه العصابة المذكورة في حديث جابر بن سَمُرة وهي الطائفة المنصورة.

وقد يظن البعض أنه لم يكن المسلمون بلا خليفة إلا في زماننا هذا، وهذا خطأ، بل قد مرت على المسلمين أزمنة لم يكن لهم فيها خليفة، ومن أشهر تلك الأزمنة السنوات الثلاث من 656 هـ (وفيها قَتَلَ التتار الخليفة العباس المستعصم ببغداد) إلى 659 هـ (وفيها بويع أول خليفة عباسي بمصر) [9] ، ورغم انعدام الإمام إذ ذاك فقد خاض المسلمون معركة هي من مفاخر المسلمين إلى اليوم وهي معركة عين جالوت ضد التتار في 658 هـ، حدث هذا في توافر أكابر العلماء كعز الدين بن عبد السلام وغيره ـ ولم يقل أحد كيف نجاهد وليس لنا خليفة؟، بل إن قائد المسلمين في هذه المعركة (سيف الدين قطز) كان قد نَصَبَ نفسه بنفسه سلطانا على مصر بعد أن عزل ابن أستاذه من السلطنة لكونه صبيا صغيرا، ورضي بذلك القضاة والعلماء وبايعوا قطزا سلطانا، وعَدَّ ابن كثير فعل قطز هذا نعمة من الله على المسلمين إذ ـ به ـ كسرَ الله شوكةَ التتار [10] ، كما عد ابن تيمية هذه الطوائف التي قاتلت التتار في تلك الأزمنة من

(1) - (فتح الباري) ج 6 ص 180

(2) - (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 374

(3) - الأنعام، الآية: 112 ـ 113.

(4) - كتاب الجهاد ـ باب من تأمَّر في ا لحرب بغير إمرة ج 6 ص 180

(5) - متفق عليه وهذا لفظ مسلم

(6) - (صحيح مسلم بشرح النووي ج 12 ص 229) و (فتح الباري ج 13ص7، 8، 123)

(7) - (شرح العقيدة الطحاوية) طبع المكتب الإسلامي 1403هـ 437ص

(8) - حديث جابر بن سَمُرة عند مسلم.

(9) - البداية والنهاية 13/ 231

(10) - البداية والنهاية 13/ 216

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت