وقد يُطلَقُ (الجِهَادِ) على مَعَانٍ أُخَرَ أعمَّ مِنَ القِتَالِ، مِثل: قَسْرِ النَّفْسِ وإلزامِها بما أمرَ الله ُ، وإبعادِهَا وزجْرِها عَمَّا نَهَى عَنْهُ [1] ، وبذلِ الجُهدِ والوُسْعِ في البرِّ والإحسَان ِوالطَّاعةِ والصَّبْرِ عليها، والصَّبْرِ عَن المَعصِيَةِ.
وممَّا جاءَ مِنْ نُصُوصٍ الكِتَابِ والسُّنَّةِ على نَحْوٍ مِن هَذِهِ المعاني:
-قولُهُ تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [2] .
وهو عَلَى خِلافٍ بين المُفَسِّرِينَ: فمِنهم مَنْ قالَ: المقصودُ بِهِ فعلَ جميعِ الطَّاعَاتِ وهو قَولُ أكثرِهِم [3] ، ومِنهُم من قالَ: هو جِهادُ الكفارِ، وهو ما رجَّحه الإمامُ الطبريُّ في تَفْسِيرِهِ [4] ، ويُنسَبُ إلى عَبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ أنَّهُ جِهَادُ النَّفْسِ والهَوَى [5] ، وقدْ يَكونُ أعمَّ من ذلك فيَدخُلُ فيه جميعُ ما ذُكِرَ، وحَسَّنَ ابنُ عطيَّةَ - رحمه الله - هذا في تَفْسِيرِهِ [6] .
-وقولُهُ: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [7] .
قالَ الإمَامُ الطَّبريُّ - رحمه الله:"أي جَاهِدْهُم بهذا القُرآنِ جِهَادًا كبِيرًا، حتى يَنقادُوا للإقرارِ بما فيه من فرائضِ اللهِ، ويَدِينُوا به ويُذعِنوا للعَمَلِ بجمِيعِهِ طوعًا وكرهًا" [8] .
-وقولُهُ: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [9] .
قال القُرْطُبِيُّ - رحمه الله:"أي: مَن جاهَدَ في الدينِ، وصبَرَ على قِتالِ الكفارِ وأعمالِ الطاعاتِ، فإنما يَسعَى لِنفْسِهِ، أي ثَوابُ ذَلِك كُلِّهِ لَهُ، ولا يَرجِعُ إلى اللهِ نَفعٌ مِنْ ذلك" [10] .
وقالَ ابنُ كثيرٍ - رحمه الله:"أي: مَنْ عَمِلَ صَالحًَا فإنمَّا يَعودُ نَفْعُ عَمَلِهِ عَلَى نَفْسِهِ" [11] .
(1) حقيقة الجهاد في الإسلام، محمد نعيم ياسين (33) .
(2) الحج (78) .
(3) زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي (4/ 401) .
(5) تفسير البغوي (5/ 402) .
(7) الفرقان (52) .
(8) تفسير الطبري (19/ 281) .
(9) العنكبوت (6) .
(10) تفسير القرطبي (13/ 327) .
(11) تفسير ابن كثير (6/ 264) .